ما الفرق بين المجتهد والأخباري؟

ما الفرق بين المجتهد والأخباري؟

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي هدانا بواضح الدليل على سبيل معادن العلم والتأويل، وسقانا بكأس رحيق السلسبيل من زلال عيون الوحي والتنزيل، والصلاة على مؤسّس قواعد الدين بالقواعد الباهرة والبراهين، وآله الرافعين لأعلام ما أسّسوا والمشيدين، صلاة توجب لنا الفوز بجوارهم في أعلى عليين.

أمّا بعد، فيقول الفقير إلى ربه الكريم، والمتعطش إلى فضل جوده العظيم، يوسف بن أحمد بن إبراهيم. أصلح الله تعالى له أمور داريه.

إعلم أنَّه قد كثرت الأسئلة من جملة الطلبة حول الفرق بين المجتهد والأخباري، وأكثر المسؤولين من وجوه الفروق. حتى أنهاها شيخنا المحدث الصالح، الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (نور الله مرقده) في كتاب منية الممارسين في أجوبة مسائل الشيخ ياسين إلى ثلاثة وأربعين.

والذي ظهر لي – بعد إعطاء التأمل حقَّه في المقام وإمعان النظر في كلام علمائنا الأعلام – أنَّ ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جلَّه بل كلَّه عند التأمل لا يثمر فرقًا في المقام، فإنَّ من أظهر ما اعتمدوه فرقًا في المقام هو كون الأدلة عند المجتهدين أربعة: (الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل – الذي هو عبارة عن البراءة الأصلية والاستصحاب  -). وأمّا عند الأخباريين فالأولان خاصة.

وفي هذا الفرق نظر ظاهر، فإنَّ الإجماع وإن ذكره المجتهدين في الكتب الأصولية وعدوه في جملة الأدلة وربما استسلفوه في الكتب الاستدلالية، إلا أنَّك تراهم في مقام التحقيق في الكتب الاستدلالية يناقشون في ثبوته وحصوله وينازعون في تحققه ووجود مدلوله، كما لا يخفى على من تصفح الكتب الاستدلالية كالمعتبر والمسالك والمدارك ونحوها.

وأمّا دليل العقل فالخلاف في حجيته بين المجتهدين موجود في غير موضع. وقد فصّل المحقق – في أول كتاب المعتبر والمحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم وغيرهما في غيرهما – الكلام في البراءة الأصلية والاستصحاب، فليراجع ذلك من أحب الوقوف عليه.

ومن الفروق التي ذكروها أنَّ الأشياء عند الأخباريين على التثليث: (حلالٌ بيّن وحرامٌ بيّن وشبهات بين ذلك)، أمّا عند المجتهدين فليس إلا الأولان خاصة.

وفي هذا الوجه أيضًا نظر، فإنَّ الشيخ في العدة وقبله شيخه المفيد قد ذهبا إلى القول بالتثليث كما نقلوه عن الأخباريين، مع أنَّهما من أساطين المجتهدين. وكلام الصدوق (قدس سره) – في كتاب الاعتقادات صريحًا وفي كتاب من لا يحضره الفقيه ظاهرًا – مما ينادي بالقول بالتثنية كما عليه المجتهدين.

قال في كتاب الاعتقادات: ”باب الاعتقاد في الحظر والإباحة، قال الشيخ (رضي الله عنه): اعتقادنا في ذلك أنَّ الأشياء كلَّها مطلقة حتى يرد في شيء منها نهي“ انتهى. فالأشياء عنده إمّا حلال أو حرام كما هو عند المجتهدين.

ومنها: أنَّهم ذكروا أنَّ الاستدلال بالكتاب والسنة خاصة مخصوص بالأخباريين، مع أنَّ الخلاف بين الأخباريين واقع فيه. فمنهم من صرح بعدم جواز العمل بشيء منه – الكتاب – إلا ما ورد تفسيره عن أهل العصمة (سلام الله عليهم)، واقتصر آخرون على العمل بمحكماته، وغيره.

فالأولى والأليق – بذوي الإيمان، والأحرى والأنسب في هذا الشأن – هو أن يقال: إنَّ عمل علماء الفرقة المحقة – والشريعة الحقة أيدهم الله تعالى بالنصر والتمكين ورفع درجاتهم في أعلى عليين سلفًا وخلفًا – إنَّما هو على دين أئمتهم (صلوات الله عليهم) وطريقهم الذي أوضحوه لديهم. فإنَّ جلالة شأنهم – وسطوع برهانهم وورعهم وتقواهم المشهور بل المتواتر على مر الأيام والدهور – يمنعهم من الخروج عن تلك الجادة القويمة والطريقة المستقيمة. ولكن ربما حاد بعضهم – أخباريًا كان أو مجتهدًا – عن الطريق غفلةً أو توهمًا أو لقصور اطلاعٍ أو قصور فهمٍ أو نحو ذلك في بعض المسائل، فهو لا يوجب تشنيعًا ولا قدحًا. وجميع تلك المسائل – التي جعلوها مناط الفرق – من هذا القبيل كما لا يخفى على من خاض بحار التحصيل، فإنا نرى كلاً من المجتهدين والأخباريين يختلفون في آحاد المسائل بل ربما خالف أحدهم نفسه، مع أنّه لا يوجب تشنيعًا ولا قدحًا.

منقول بتصرف من الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة (عليهم السلام) للشيخ يوسف البحراني.