دراسة علمية في اعتبار رواية التاسع من ربيع الأول

المقدمة
يُعدّ التاسع من شهر ربيع الأول يومًا بارزًا في التراث الشيعي، حيث وردت فيه روايات تدل على أنه يوم فرح وسرور لأهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، وذلك لهلاك أحد أعداء الله ورسوله. وقد ناقش العلماء والفقهاء اعتبار هذه الرواية، وبنوا على ذلك جملة من الأحكام الشرعية، كاستحباب الغسل فيه، وإظهار الفرح، بل وعدّه بعضهم من الأعياد العظيمة.

القرينة الأولى: الشهرة العملية بين الأصحاب
صرّح السيد ابن طاووس في إقبال الأعمال أنّ هذا اليوم عظيم الشأن، وأنّ المؤمنين كانوا يعظّمونه ويُظهرون فيه الفرح. واعتبر أنّ هذه الشهرة العملية لم تنشأ من فراغ، بل قامت على نصوص معتبرة وواقعة تاريخية عظيمة.
وأكد العلامة المجلسي في بحار الأنوار أنّ الشهرة بين الشيعة في الأمصار والأقطار على أنّ هذا اليوم يوم هلاك عدوّ الله، وأنه من الأعياد العظام.
📖 إقبال الأعمال، ص 598؛ بحار الأنوار، ج 31، ص 120

القرينة الثانية: تأييد العلماء
المحدث البحراني في معالم الزلفى عدّ الرواية مشهورة بين الأصحاب.
الشيخ القمي في الكنى والألقاب نقل أنّه يوم هلاك عدو الله وأن الفرح فيه ثابت.
السيد حسين الكركي صرّح بأنّ اختيار التاسع من ربيع الأول لا يخلو من وجه.
صاحب الجواهر نصّ في جواهر الكلام على أنّ اليوم من أعظم أعياد آل محمد (عليهم السلام)، وهو المعروف بين الشيعة.
📖 معالم الزلفى، ص 185؛ الكنى والألقاب، ج 1، ص 185؛ جواهر الكلام، ج 5، ص 43

القرينة الثالثة: الروايات المساندة
لم تنحصر الرواية بأحمد بن إسحاق القمي، بل وردت روايات أخرى مؤيدة:
رواية نقلها ابن بابويه (الصدوق) عن الإمام الصادق (ع) تنصّ على أنّ القتل وقع يوم التاسع من ربيع الأول.
روايات أوردها السيد ابن طاووس في الإقبال، مما يعطينا أكثر من طريق للخبر، ويرفع احتمال التفرد.
📖 إقبال الأعمال، ص 598؛ علل الشرائع للصدوق، ج 1، ص 227

القرينة الرابعة: النقل في المصادر المعتبرة
الرواية لم تكن خبرًا معزولًا، بل وردت في مصادر متعددة قديمة ومعتمدة، منها:
إقبال الأعمال لابن طاووس (ت 664هـ).
دلائل الإمامة لابن جرير الطبري الإمامي (القرن الخامس).
مصباح الأنوار للشيخ هاشم بن محمد (القرن السادس)، الذي وصفه المجلسي بأنه “مشتمل على غرر الأخبار”.
البحار للمجلسي (ت 1111هـ).
الكنى والألقاب للشيخ القمي.
معالم الزلفى للبحراني.
📖 دلائل الإمامة، ص 310؛ مصباح الأنوار، مخطوط الورقة 61؛ الذريعة، ج 21، ص 401

القرينة الخامسة: عمل الأصحاب بالخبر
الشهيد الثاني اعتبر أن شهرة الرواية بين العلماء تكفي في الاعتماد عليها.
الحر العاملي في وسائل الشيعة ذكر أن موافقة الخبر للمشهور قرينة على قبوله.
صاحب العروة (السيد اليزدي) نصّ على استحباب الغسل فيه.
السيد صادق الروحاني أفتى بأنه يوم سرور ولا إشكال في ترك السواد فيه.
📖 الوسائل، ج 7، ص 259؛ العروة الوثقى، ج 2، ص 316

القرينة السادسة: الفتوى باستحباب الغسل
أفتى غير واحد من الفقهاء باستحباب الغسل في هذا اليوم، ومنهم:
صاحب الجواهر: نصّ على أنّ الغسل فيه مستحب لأنه يوم عيد لنا ولأئمتنا.
السيد علي بحر العلوم: عدّه من الأغسال المستحبة.
صاحب العروة الوثقى: أفتى باستحباب الغسل.
📖 جواهر الكلام، ج 5، ص 43؛ العروة الوثقى، ج 2، ص 316

القرينة السابعة: دفع الاعتراضات
الاعتراض السندي: زُعم أن الرواية ضعيفة، لكن الشهرة بين الأصحاب وكثرة المصادر تكفي لتقويتها.
الاعتراض التاريخي: وُجد اختلاف بين 9 ربيع و9 ذي الحجة، لكن الأعلام جمعوا بينها بأن الأول يوم القتل والثاني يوم آخر متصل بالحادثة، مع ترجيح رواية التاسع من ربيع.
📖 البحار، ج 31، ص 120؛ المستدرك للنوري، ج 2، ص 522

رأي المرجع الشيرازي دام ظله في الرواية
أكّد سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) أنّ رواية التاسع من ربيع الأول معتبرة، وأنّ عمل الطائفة والأعلام عليها دليل على مشروعيتها. فقد صرّح في كلماته:
“إنّ إمامة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف بدأت يوم الثامن من ربيع الأول، وأما اليوم التاسع فهو اليوم الثاني لإمامته، وقد وردت فيه روايات معتبرة تصرّح بأنه يوم الفرح والسرور لأهل البيت وشيعتهم، ولذلك سُمّي بالغدير الثاني.”
وبيّن سماحته أنّ هذا اليوم يقوم على ركيزتين:
الروايات المعتبرة التي نقلها الأعلام في كتب الأدعية والزيارات.
الشهرة العملية بين الشيعة التي لم تنقطع عبر القرون، حيث جرى العمل على إحيائه وإظهار الفرح فيه.
كما اعتبر سماحته أنّ:
الغدير الأول (18 ذي الحجة) يمثل التولي لأمير المؤمنين عليه السلام.
والغدير الثاني (9 ربيع الأول) يمثل التبري من أعداء الله.
استحباب الغسل والسرور فيه ثابت، بل هو من أهم مظاهر إحياء الولاء والبراءة.
📖 مستفاد من كلمات السيد صادق الشيرازي في: كتاب الغدير الثاني.

الخاتمة
من خلال استقراء النصوص والمصادر، يتضح أنّ رواية التاسع من ربيع الأول ليست خبرًا آحادياً ضعيفًا، بل هي:
مشهور بين الشيعة.
منقولة في مصادر معتبرة منذ القرن الخامس الهجري.
مؤيدة بعمل الأصحاب والفقهاء عبر القرون.
مبني عليها فتاوى فقهية في استحباب الغسل وإظهار الفرح.
مؤكدة عند المراجع المعاصرين، وعلى رأسهم السيد صادق الشيرازي دام ظله، الذي اعتبره الغدير الثاني ومظهرًا للتولي والتبري.
وعليه، فإنّ هذا اليوم يُعدّ من أعظم أيام الفرح عند آل محمد (عليهم السلام)، وله أصالة شرعية وتاريخية وروائية، ويُبنى عليه العمل إظهارًا لشكر الله تعالى على نصر أوليائه وخذلان أعدائه.


مقتبس من كتاب فرحة الزهراء (عليها السلام) للشيخ نهاد الفياض