الاستخلاف النبوي في غزوة تبوك: تحليل جيوسياسي لـ “حديث المنزلة”
المقدمة: السياق الزمكاني لغزوة تبوك
تمثل غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة في الأول من شهر رمضان المبارك منعطفاً في الدولة الإسلامية الناشئة؛ فهي أول مواجهة مرتقبة مع إمبراطورية عظمى (الروم). في هذا الظرف الحرج، اتخذ النبي (صلى الله عليه وآله) قراراً بتخليف علي بن أبي طالب (عليه السلام) على المدينة، وهو قرار لم يكن إدارياً محضاً، بل حمل دلالات “تأسيسية” لنظام الحكم.
أولاً: التحليل المقارن بين الاستخلاف العام والاستخلاف الخاص)
يُطرح تساؤل أكاديمي: هل استخلاف علي (عليه السلام) يشبه استخلاف ابن أم مكتوم أو غيره من الصحابة في الغزوات السابقة؟
التحقيق التاريخي يثبت وجود فروق جوهرية:
* طبيعة الخطاب المصاحب: في الاستخلافات السابقة، كان التكليف إجرائياً لإدارة الصلاة وشؤون المدينة. أما مع علي (عليه السلام)، فقد اقترن الاستخلاف بـ “حديث المنزلة” ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى)). هذا الربط ينقل الاستخلاف من “وظيفة مؤقتة” إلى “منزلة وجودية وتشريعية”.
* استثناء النبوة: تقييد المنزلة بقوله (صلى الله عليه وآله)((إلا أنّه لا نبي بعدي)) دليل قطعي على أنّ المستخلف حاز كل صلاحيات النبي (الولاية، القضاء، القيادة) عدا الوحي، وهو تخصيص لم يَرِد لأي مستخلف آخر.
* الظرف الأمني: كانت المدينة في تبوك مهددة بمؤامرة وتحركات المنافقين. واستخلاف علي (عليه السلام) كان “استخلاف ضرورة سيادية” لا يسدها إلا من يملك هيبة النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه.
ثانياً: الأبعاد السياسية لحديث المنزلة
يعتبر علماء الشيعة أن هذا النص هو “نص جلي” على الإمامة. ومن الناحية التحليلية:
* تثبيت المرجعية: حين قال النبي (صلى الله عليه وآله): “إنّه لا بد من إقامتي أو إقامتك”، فإنّه قرن أمن العاصمة وكيان الدولة بوجود أحدهما حصراً، مما يعطي علياً (عليه السلام) صفة “الرجل الثاني” في هيكل السلطة.
* تفكيك جبهة النفاق: حاول المنافقون ممارسة “الحرب النفسية” ضد الإمام بوصفه “مستثقلاً”، فجاء الرد النبوي ليؤكد أنّ بقاءه هو “صيانة للوحي” وليس تخففاً، مما أحبط مشروع الانقلاب الداخلي في غياب الجيش.
ثالثاً: الدلالة التشريعية للحديث
إن استخلاف المدينة في تبوك يختلف جوهرياً عن غيره من النواحي التالية:
* النيابة العامة: أنّ علياً (عليه السلام) خليفة في حال الغيبة والحضور، تماماً كما كان هارون وزيراً لموسى (عليهما السلام) في حياته.
* عصمة القرار: ربط منزلة علي بمنزلة هارون (الذي كان نبياً معصوماً) يعطي إشارة إلى أنّ قرارات علي (عليه السلام) في المدينة هي امتداد للقرار الإلهي.
* الشمولية: استخلاف شامل للأمة وليس مجرد إمامة صلاة.
* التأبيد المعنوي: الحديث لم ينتهِ بانتهاء الغزوة، بل رسم خارطة طريق لمّا بعد النبي (صلى الله عليه وآله).
* الاختبار السياسي: كان بمثابة “تمرين” للأمة على تقبل قيادة علي (عليه السلام) في غياب شخص الرسول (صلى الله عليه وآله).
ألفاظ الحديث وتواتر طرقه
أخرج حديث المنزلة البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سعد بن أبي وقاص بهذا اللفظ: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي)).
وأخرج أحمد في مسنده (3061)، والنسائي في السنن الكبرى (8355)، وابن أبي عاصم في السنة (1188) عن ابن عباس هذا اللفظ: ((أنت مِنِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى أَلا إنك لَسْتَ نبيًّا أنه لا ينبغي أن أذهبَ إلا وأنت خليفتي في كلِّ مؤمنٍ مِن بعدي)) وقال عنه الألباني في تخريج كتاب السنة: إسناده حسن.
وقد روى الحديث:
1- سعد بن أبي وقاص (انظر صحيحي البخاري ومسلم وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه والسنن الكبرى للنسائي وغيرها).
2- أمير المؤمنين علي (عليه السلام) (انظر مستدرك الحاكم وتاريخ بغداد وتاريخ دمشق)
3- أبو سعيد الخدري (انظر مسند أحمد والسنة لابن أبي عاصم ومسند ابن الجعد)
4- بريدة الأسلمي (أنظر السنة لإبن أبي عاصم)
5- أسماء بنت عميس (أنظر مصنف ابن أبي شيبة ومسند أحمد)
6-أم سلمة (عليها السلام) (انظر السنة لإبن أبي عاصم ومسند أبي يعلى وصحيح ابن حبان)
7- البراء بن عازب (انظر أنساب الأشراف)
8- جابر بن عبد الله الأنصاري (انظر سنن الترمذي ومسند أحمد والسنة لإبن أبي عاصم)
9- زيد بن أبي أوفى (انظر فضائل الصحابة لأحمد والشريعة للآجري)
10- زيد بن أرقم (انظر أنساب الأشراف المصنف لإبن أبي شيبة والسنة لإبن أبي عاصم)
11- سعيد بن زيد (انظر فضائل الصحابة لأحمد والسنة لإبن أبي عاصم)
12- ابن عباس (انظر مسند أحمد)
13- عمر بن الخطاب (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي)
14- مالك بن الحويرث الليثي (انظر التاريخ الكبير للبخاري والشريعة للآجري)
15- معاوية بن أبي سفيان (انظر فضائل الصحابة لأحمد)
16- محدوج بن زيد الذهلي (انظر فضائل الصحابة لأحمد)
17- أبو هريرة (انظر تاريخ دمشق لإبن عساكر)
18- أنس بن مالك (انظر تاريخ دمشق لإبن عساكر)
19- جابر بن سمرة (انظر تاريخ دمشق لإبن عساكر)
20- عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (انظر تاريخ دمشق لإبن عساكر)
21- عقيل بن أبي طالب (انظر تاريخ دمشق لإبن عساكر)
22- نبيط بن شريط (انظر تاريخ دمشق لإبن عساكر)
23- فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب (انظر تاريخ دمشق لإبن عساكر)
24- أبو الفيل (انظر تاريخ دمشق لإبن عساكر)
25- أبو أيوب الأنصاري (انظر المعجم الكبير للطبراني)
26- حبشي بن جنادة السلوسي (انظر المعجم الكبير والأوسط والصغير للطبراني)
27- ابن عمر (انظر المعجم الكبير والأوسط للطبراني)
28- حذيفة بن أُسيد الغفاري (انظر مناقب عليه السلام لإبن المغازلي)
29- ابن مسعود (انظر مناقب عليه السلام لإبن المغازلي).
الخلاصة: إنّ تعيين علي (عليه السلام) في تبوك كان “تنصيباً سياسياً بصبغة قدسية”، جعل من المدينة في غياب النبي (صلى الله عليه وآله) صورة مصغرة للدولة تحت قيادة الإمام، متميزاً عن سائر الاستخلافات بإعطائه “المشروعية المطلقة” عبر المقارنة بالمنزلة الهارونية.