انبعاث الأمة من محراب الإمام السجاد (عليه السلام)
المقدمة:
لم يكن عصر الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) مجرد حقبة زمنية تلت مأساة كربلاء، بل كان “منعطفاً وجودياً” لمستقبل الرسالة الإسلامية. ففي ظل حصار سياسي خانق ورقابة أموية صارمة، لم يتجه الإمام نحو الصدام العسكري، بل أسس لمشروع “البناء الصامت” الذي استهدف إعادة صياغة الوجدان الإسلامي. من خلال الصحيفة السجادية التي كانت دستوراً روحياً، ورسالة الحقوق التي مثّلت أول تقنين إنساني شامل، استطاع الإمام (عليه السلام) أن يحوّل “المحراب” إلى مدرسة عليا، خرّجت ثلة من الحواريين والعلماء الذين حملوا مشعل العلم في أحلك الظروف، ليكونوا الجسر الذي عبرت من خلاله علوم آل محمد إلى الأجيال اللاحقة.
يُمثل الإمام علي بن الحسين السجاد (عليهما السلام) مرحلة “البناء العلمي والروحي” في التاريخ الإسلامي، حيث انتقل بالنشاط الإمامي من المواجهة المباشرة إلى بناء القاعدة المعرفية والتربوية للأمة بعد فاجعة كربلاء.
إليك تفصيل للدور العلمي للإمام (عليه السلام) من خلال المحاور التالية:
أولاً: الصحيفة السجادية (زبور آل محمد عليهم السلام)
لم تكن الصحيفة السجادية مجرد كتاب أدعية، بل كانت منظومة متكاملة في العقيدة، والأخلاق، والاجتماع، والسياسة، صيغت بقالب دعائي لتجاوز الرقابة الأموية المشددة.
* الدور العلمي: أسست الصحيفة لمفاهيم التوحيد، والنبوة، والإمامة، وعلاقة الإنسان بالخالق والكون.
* الأثر التربوي: علمت الأمة كيفية صياغة المفردة الروحية، وبنت “الكيان الذاتي” للشيعة في زمن كان فيه الانحراف العقدي يسود المجتمع.
ثانياً: رسالة الحقوق
تُعد هذه الرسالة أول تقنين شامل لحقوق الإنسان في الإسلام، حيث اشتملت على 50 حقاً تغطي كافة علاقات الفرد.
* التصنيف العلمي: وضعت الرسالة خارطة طريق قانونية وأخلاقية، تبدأ من “حق الله” وتمر بحقوق الأعضاء (اللسان، السمع، البصر)، ثم حقوق الأفعال (الصلاة، الصوم)، وصولاً إلى الحقوق الاجتماعية (الحاكم، المحكوم، المعلم، الطالب، والأرحام).
* القيمة التشريعية: قدمت رؤية متوازنة تجمع بين الواجب الإلهي والالتزام الإنساني، وهو ما يسبق بمئات السنين المواثيق الحقوقية الحديثة.
ثالثاً: تربية الرواة (المدرسة العلمية)
رغم الحصار السياسي، استطاع الإمام السجاد (عليه السلام) تربية جيل من العلماء الذين نقلوا فقه آل البيت (عليهم السلام) ومهدوا الطريق لمدرسة الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام).
ومن أشهر رواة الشيعة عنه:
* أبو حمزة الثمالي (ثابت بن دينار): صاحب الدعاء المشهور، وكان يُلقب بـ “لقمان زمانه”، وهو من أوثق الرواة الذين لازموا الإمام ونقلوا عنه الكثير من الأحكام والمواعظ.
* يحيى بن أم الطويل: من خواص أصحاب الإمام السجاد (عليه السلام) وحوارييه. وكان يمتاز بشجاعة فائقة في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي، حيث كان يجهر بولاء أهل البيت (عليهم السلام) في الكوفة، وقد نال الشهادة بسبب ثباته على هذا النهج.
* أبو خالد الكابلي (كنكر): الذي لزم الإمام السجاد (عليه السلام) وانقطع إليه بعد أن عرف حقيقة إمامته. كان له دور كبير في تعريف القواعد الشعبية بمكانة الإمام السجاد (عليه السلام) وقطع الشكوك التي كانت تحوم حول الإمامة بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام).
* أبان بن تغلب: من كبار الفقهاء والقراء، أدرك الإمام السجاد (عليه السلام) وروى عنه، ثم أصبح لاحقاً من كبار أصحاب الصادق (عليه السلام).
* سعيد بن جبير: التابعي الشهير والفقيه الذي استشهد على يد الحجاج، كان من تلاميذ الإمام السجاد المقربين ومن أشد المدافعين عن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
الخاتمة: “إرثٌ يتجاوز الزمن”
يتضح لنا أن الدور العلمي للإمام السجاد (عليه السلام) لم يكن مجرد نقلٍ للروايات، بل كان عملية “إحياء” شاملة لمنظومة القيم. فالحواريون الذين ربّاهم، كأبي حمزة الثمالي ويحيى بن أم الطويل، لم يكونوا مجرد رواة للحديث، بل كانوا نماذج تجسّد الصمود الفكري والولاء العقدي. إن هذا التراث الضخم للإمام السجاد (عليه السلام) يؤكد أن مدرسته كانت القاعدة الصلبة التي قامت عليها النهضة العلمية للإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام). فسلامٌ عليه يوم ولد، ويوم اعتلى منبر العلم بدموعه ودعائه، ويوم يبعث حياً.