عثمان بن سعيد العمري: السفيرُ المؤتمن والظِّلُّ الممتد
المقدمة: فجر السفارة في ليل الغيبة
في اللحظات التاريخية الحرجة التي تلت استشهاد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عام 260هـ، واجهت الأمة الإسلامية ومنهج أهل البيت (عليهم السلام) تحدياً وجودياً؛ حيث انتقلت الإمامة من الطهور الظاهر إلى الغيبة المستورة. في هذا المخاض العسير، برزت شخصية “الرجل الضرورة” الذي اصطفاه الوحي ليكون الصدر والباب والحلقة الوصل. هو الشيخ عثمان بن سعيد العمري (رضوان الله عليه)، الشخصية التي لم تكن مجرد وكيل مالي أو إداري، بل كانت تجلياً للأمانة الإلهية، واليد الرؤوم التي حفظت كيان الطائفة من التشتت والضياع في خضم الملاحقات العباسية والفتن الداخلية.
أولاً: الجذور والنشأة (سلالة الأركان)
لم يكن اختيار عثمان بن سعيد لهذا المنصب الخطير عفوياً، بل كان جذره ضارباً في الولاء العريق. فهو من أحفاد الصحابي الجليل عمار بن ياسر (رضوان الله عليه)، أحد الأركان الأربعة الذين ثبتوا مع أمير المؤمنين (عليه السلام).
تشرّف الشيخ العمري بالخدمة في بيت الإمامة منذ نعومة أظفاره، حيث تذكر المصادر (كالشيخ الطوسي في الغيبة) أنه خدم الإمام علي بن محمد الهادي (عليهما السلام) وهو ابن إحدى عشرة سنة. هذه النشأة المبكرة في “أروقة الوحي” صقلت روحه وجعلته خبيراً بمسالك السياسة والأمن والتبليغ، حتى نال “العهد المعروف” من الإمام الهادي، ومن بعده ابنه الحسن العسكري (عليهما السلام).
ثانياً: استراتيجية “السمّان” وعبقرية التستر
في ظل نظام رقابي عباسي مشدد كان يحصي الأنفاس على بيت الإمامة، ابتكر الشيخ العمري أسلوباً فريداً في “الأمن الوقائي”. اتخذ من تجارة السمن والزيت (فلقب بالسمّان والزيات) غطاءً لنشاطه السفاري.
كانت الشيعة من مختلف الأقطار تحمل الحقوق الشرعية والرسائل، فتدفعها إلى أبي عمرو في مركزه التجاري ببغداد أو سامراء، فكان يضع تلك الأموال والرقاع في (جراب السمن) و(زقاقه) إمعاناً في التمويه، ثم يوصلها إلى الإمام تقيةً وخوفاً. هذا الدور حوّل “دكان السمان” إلى مركز قيادة سريّ يدير شؤون الطائفة في أصعب ظروفها.
ثالثاً: ميزان الوثاقة في منطق المعصومين
لقد حاز العمري على أوسمةٍ لم يحظَ بها غيره من الرواة والوكلاء، وهي شهاداتٌ من ثلاثة معصومين قطعت دابر كل شاك:
* شهادة الإمام الهادي (عليه السلام): حين قال لأحمد بن إسحاق القمي: «هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّاه إليكم فعنّي يؤدّيه».
* شهادة الإمام العسكري (عليه السلام): وهي الأبرز في “المحيا والممات”، حيث قال: «هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات». وهذه العبارة تدل على “العصمة الأفعالية” في مقام السفارة والأداء.
* إثبات النيابة الثانية: في مشهدٍ مهيب أمام أربعين رجلاً من شيعته، عرض الإمام العسكري ابنه المهدي (صلوات الله عليه) وقال: «فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه».
رابعاً: مهام السفارة والكرامات الميدانية
لم تقتصر سفارته على نقل الرسائل، بل كان هو “الممهد” للمرحلة الجديدة:
* تجهيز الإمام العسكري: تذكر الروايات (كما في البحار والغيبة) أنه هو من حضر غسل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وتولى تكفينه وتحنيطه ودفنه مأموراً بذلك من الإمام الحجة (عليه السلام) الذي باشر الغسل والصلاة خفية.
* التوقيعات والمطابقة: كان الناس يعرفون صدق نيابته من خلال “التوقيعات” (الرسائل الممهورة بختم الإمام)؛ إذ كانت تخرج بذات الخط الذي اعتادوه في حياة الإمام العسكري، مما قطع الطريق على المدعين (كالنميري والشلمغاني وغيرهم).
* إدارة وفود الشيعة: كان هو البوابة الشرعية لوكلاء الأقاليم (كوفد اليمن ووفد قم)، حيث كان يقبض الأموال ويوصل الأجوبة المسكتة عن المسائل الغامضة التي يرسلها الشيعة لاختبار صدق السفارة.
خامساً: الرحيل والخلود الجغرافي
بعد رحلة جهادية شاقة استمرت قرابة خمس سنوات في السفارة الخاصة (من 260هـ إلى 265هـ)، رحل الشيخ العمري إلى جوار ربه في بغداد.
وقد نعاه الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بكلماتٍ تفيض بالحرقة والجلال: «إنا لله وإنا إليه راجعون… عاش أبوك سعيداً ومات حميداً… رُزئتَ ورُزئنا، وأوحشك فراقه وأوحشنا».
دُفن (رضوان الله عليه) في جانب الرصافة من بغداد، في سوق الميدان (مسجد الدرب)، وظل قبره مزاراً للمؤمنين عبر القرون، وقد وصف الشيخ الطوسي قبره بدقة في القرن الخامس الهجري، وظلت الرعاية تحف هذا المرقد الشريف كشاهدٍ حي على صدق السفارة.
الخاتمة
إن عثمان بن سعيد العمري لم يكن مجرد شخصية تاريخية، بل كان “فلسفة الارتباط” بالحق في زمن الغياب. لقد استطاع بذكائه الوقائي، وتقواه الصرفة، وتأييد المعصوم له، أن يعبر بالشيعة من ضفة الحضور إلى ضفة الغيبة بسلام. فسلامٌ عليه يوم ولد، ويوم خدم الأئمة، ويوم قبض الأمانة، ويوم يبعث حياً مع مواليه الطاهرين (عليهم السلام).
المصادر والمراجع
– الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن: كتاب الغيبة، تحقيق عباد الله الطهراني وعلي أحمد ناصح، ص 353-357.
– المجلسي، العلامة محمد باقر: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، دار إحياء التراث العربي، ج 51، ص 344-350.
– الحر العاملي، الشيخ محمد بن الحسن: وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج 27، ص 140.
– النوري، الميرزا حسين: مستدرك وسائل الشيعة ومستنبط المسائل، مؤسسة آل البيت (ع)، ج 18.
– البروجردي، السيد حسين: جامع أحاديث الشيعة، المطبعة العلمية بقم، ج 1، ص 243.
– الصدوق، الشيخ محمد بن علي: كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، باب ذكر من شاهد القائم (عج).
– الحسيني، ندى سهيل: النائب الأول عثمان بن سعيد العمري، مجلة الانتظار، العدد 16، النجف الأشرف.
– إضافة إلى (المفيد في الإرشاد، الحلي في خلاصة الأقوال، والنجاشي في الرجال).