دليل الصديقين متفرع من برهان الإمكان والوجوب

​تنويه
​إنَّ بعض البراهين متفرِّعة ومتكثِّرة من خلال برهان الإمكان والوجوب؛ إذ هي تستند في مقدِّماتها إلى لوازم وخصائص الممكن، ولذا لم تكن محلَّ اهتمام كبرهان الإمكان والوجوب، يقول الفياضيُّ في برهان الحركة والنَّفس: «هذا البرهان وما يتلوه يرجعان إلى برهان الإمكان والوجوب، حيث إنَّ الحركة والنَّفس من مصاديق الممكن. فتارةً يُستدلُّ بوجود الممكن من غير تعيين لمصداق الممكن، فيكون برهان الإمكان والوجوب، وأخرى يُستدلُّ بمصداق معيَّن منه بعد إثبات مصداقيَّته، كما في برهان الحركة والنَّفس»([1]).

​دليل الصدِّيقين متفرِّع من برهان الإمكان والوجوب
​إنَّ أصحاب الاتِّجاه الفلسفيِّ جعلوا برهان الصدِّيقين أفضل من برهان الإمكان والوجوب، وأضافوا له مزايا واعتباراتٍ تجعله أكثر وثاقةً وتميُّزاً منه. وهي لا تستند إلى الواقع والقيمة المعرفيَّة، وإنَّما إلى صياغة العبارات، والتَّغيير في المفردات.
​وعند التَّأمُّل جيِّداً يتَّضح أنَّ برهان الصدِّيقين متفرِّع من برهان الإمكان والوجوب؛ لأنَّ الوجود هو منتزع من الممكنات. وبعبارة أخرى: إنَّ مفهوم الوجود لا حقيقة له في الخارج، وإنَّما يؤخذ ويُنتزع من الموجودات الخارجيَّة فلولاها لما انتُزع مفهوم الوجود، ولما فرَّعوا عليه برهان الصدِّيقين.
​ولذا انبثق برهان الصدِّيقين من برهان الإمكان والوجوب، أو قُل كان مقدِّمةً له. والتَّعبير الدَّقيق هو أنَّ قيمته المعرفيَّة ترجع إليه.

​مبالغات في برهان الصدِّيقين
​ذكر بعض المؤيِّدين لبرهان الصدِّيقين إنَّ البرهان يثبت وجود الله تعالى من غير استناد إلى وجود المخلوقات، وأنَّ إنكارها لا يخلُّ في هذا البرهان: «إنَّ برهان الصدِّيقين يدور مدار الموجود، إذ يثبت وجود الله عن طريق ملاحظة الوجود نفسه وحقيقته فقط، ولا يستند إلى وجود المخلوقات أبداً؛ لذا فإنَّ إنكار المخلوقات لا يخلُّ في إثبات وجود الله في هذا الطَّريق، ولكنَّ برهان الإمكان والوجوب يدور مدار المخلوق، إذ إنَّ إنكار المخلوقات أو الممكنات يمنع من إثبات وجود الله في هذا الطَّريق».
​وهذه من المبالغات الواضحة في هذا البرهان، وهي لا تستند إلى أسس واقعيَّة. ولا بأس بالإشارة إلى بعض المؤاخذات عليه ضمن عدَّة نقاط:

​النُّقطة الأولى:
إنَّ بعض الاصطلاحات والمفاهيم لا وجود لها إلَّا في الذِّهن مثل عدم اجتماع النَّقيضين والإمكان والوجوب، ومفهوم الوجود، والعلَّة والمعلول، والوحدة والكثرة؛ لأنَّها مفاهيم ذهنيَّة تُنتزع من الواقع وتحاكي الحقائق الخارجيَّة، أي أنَّ اتِّصافها وحقيقتها في الخارج، وعروضها في الذِّهن؛ فلو لم تكن حقائق (مخلوقات) في الخارج لما كان لها من عروض ووجود في الذِّهن، ومن ثمَّ انتُزع مفهوم الوجود وصُنِّف إلى ممكن وواجب.
​وعلى هذا، فإنَّ انتزاع مفهوم الوجود يتوقَّف على وجود الممكنات، ومن ثمَّ الاستدلال به على وجود الخالق. وانتزاع مفهوم الوجود من غير وجود الممكنات مجرَّد مكابرة لا واقع لها.

​النُّقطة الثَّانية:
إنَّ برهان الصدِّيقين قائم على طرفي الواجب والممكن والانتهاء من خلال الممكن إلى الواجب أو من خلال حصَّة من الوجود ثبت لها ضرورة الوجوب؛ فعند إنكار الممكن لا يتسنَّى الاستدلال على الواجب.

النُّقطة الثَّالثة:
بعد القول باحتياج برهان الإمكان والحدوث إلى وجود الممكنات، وتوقُّفه عليها؛ يثبت احتياجه في برهان الصدِّيقين من باب أولى، لأنَّه متفرِّع من برهان الإمكان والحدوث كما تقدَّمت الإشارة إلى ذلك تحت عنوان: (دليل الصدِّيقين متفرِّع من برهان الإمكان والوجوب) فما قيل من أنَّ برهان الصدِّيقين غير متوقِّف على وجود المخلوقات لا واقع له.
​وقد يُقال إنَّ المراد في الاستدلال هو أخذ مفهوم الموجود مع غضِّ النَّظر عن انتزاعه من الممكنات الخارجيَّة. ويَرِدُ عليه أنَّ هذا لا قيمة معرفيَّة له في إثبات الخالق، وإنَّما مجرَّد تغيير في الألفاظ؛ إذ لولا المخلوقات لما انتزعنا مفهوم الوجود، ومن ثمَّ استُدلَّ على حصَّة واجبة منه. وهذا ما تمَّ التَّنويه إليه سابقاً.

​[1] ) نهاية الحكمة (تعليق الفياضيِّ)، ج4، ص1057.
برهان الحركة والنَّفس كما قرَّره الطَّباطبائيُّ: «إنَّ النَّفس الإنسانيَّة مجرَّدة عن المادَّة ذاتاً، حادثة بما هي نفس بحدوث البدن، لامتناع التَّمايز بدون الأبدان واستحالة التَّناسخ، كما بيِّن في محلِّه، فهي ممكنة مفتقرة إلى علَّة غير جسم ولا جسمانيَّة. أمَّا عدم كونها جسماً، فلأنَّها لو كانت جسماً، كان كلُّ جسم ذا نفس، وليس كذلك. وأمَّا عدم كونها جسمانيَّة، فلأنَّها لو كانت جسمانيَّة -سواء كانت نفساً أخرى، أو صورة جسميَّة، أو عرضاً جسمانياً- كان تأثيرها بتوسُّط الوضع، ولا وضع للنَّفس مع كونها مجردة. على أنَّ النَّفس لتجرُّدها أقوى تجوهراً وأشرف وجوداً من كلِّ جسم وجسمانيٍّ، ولا معنى لعلِّيَّة الأضعف الأخسِّ للأقوى الأشرف. فالسبب الموجِد للنَّفس أمر وراء عالم الطَّبيعة؛ وهو الواجب تعالى، بلا واسطة، أو بواسطة علل مترتِّبة تنتهي إليه». نهاية الحكمة (تعليق الفياضيِّ)، ج4، ص1058.