المقدمة
لا تكتمل دراسة نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بالوقوف عند يوم عاشوراء فحسب، بل تتطلب تتبع المرحلة اللاحقة التي تحولت فيها المأساة من حدثٍ عسكري محدود إلى قضية عقدية وسياسية خالدة. وقد اضطلعت السيدة زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام) بالدور المحوري في هذه المرحلة، فكانت لسان الإمام الحسين (عليه السلام) الناطق، وحافظة خط الإمامة، وصانعة الوعي الجمعي في مواجهة المشروع الأموي.
—
أولًا: القيادة الميدانية والروحية بعد الطف
مع استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، انتقلت الإمامة إلى الإمام علي بن الحسين السجاد (عليهما السلام)، إلا أن ظروف المرض والأسر فرضت نمطًا خاصًا من إدارة المرحلة. هنا برز دور السيدة زينب بوصفها القائدة التنفيذية لركب السبايا.
قامت بجمع النساء والأطفال بعد إحراق الخيام، ومنعت انهيارهم النفسي، وتصدّت لمحاولات تصفية الإمام السجاد (عليه السلام). ويُعد موقفها في مجلس عبيد الله بن زياد، حين ارتمت على الإمام وقالت: «والله لا أفارقه، فإن قتلته فاقتلني معه»، نموذجًا لدور فقهي شرعي هدفه حفظ الحجة الإلهية واستمرار خط الإمامة.
—
ثانيًا: الجهاد التبييني وتفكيك الرواية الأموية
اعتمدت السلطة الأموية سياسة تضليلية هدفت إلى تصوير ثورة الحسين (عليه السلام) على أنها خروج على الجماعة. واجهت السيدة زينب (عليها السلام) هذا المشروع بما يمكن تسميته بـ«الجهاد التبييني».
في الكوفة، ألقت خطبتها الشهيرة التي قلبت مشاعر الناس من الشماتة إلى الندم، مستخدمة أسلوب التقريع الشرعي والتذكير بنقض البيعة. وقد وصفها الرواة بأنها كانت تفصح ببلاغة تُذكّر بخطاب أمير المؤمنين (عليه السلام).
—
ثالثًا: المواجهة السياسية في دمشق ونزع الشرعية
بلغ الدور الزينبي ذروته في قصر يزيد بدمشق، حيث تحولت من أسيرة إلى خصم سياسي. خاطبت يزيد بقولها: «أمن العدل يا ابن الطلقاء»، مستحضرة الفارق بين الشرعية النبوية والسلطة القائمة على الغلبة.
كما أعلنت في خطابها مبدأ خلود الرسالة الحسينية بقولها: «فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا».
—
رابعًا: الرد العقدي على الجبر الأموي
عندما سألها ابن زياد: «كيف رأيتِ صنع الله بأخيك؟»، أجابت: «ما رأيتُ إلا جميلاً».
يمثل هذا الجواب تفريقًا عقديًا دقيقًا بين فعل الله القائم على الحكمة والتكريم بالشهادة، وبين فعل البشر القائم على الظلم والجريمة، وبذلك أسقطت التبرير الجبري الأموي.
—
خامسًا: التأسيس الاجتماعي والإعلامي لمجالس العزاء
بعد عودتها إلى المدينة، أسست السيدة زينب (عليها السلام) لمرحلة جديدة من العمل الرسالي عبر إحياء المجالس الحسينية، التي تحولت إلى منابر لنقل الحقيقة وربط العاطفة بالعقيدة.
وقد أدى هذا الدور إلى تضييق السلطة عليها، حتى كُتب إلى يزيد يشكو تأثيرها في الناس، فكان إخراجها من المدينة نتيجة مباشرة لهذا النشاط.
—
سادسًا: الدور العلمي وبثّ العلم والتعليم
لم يكن دور السيدة زينب (عليها السلام) سياسيًا وإعلاميًا فحسب، بل كانت شخصية علمية راسخة، عُرفت في المصادر بلقب «العالِمة غير المُعلَّمة».
1. مرجعية علمية للنساء:
كانت مرجعًا في الأحكام الشرعية والمسائل الدينية، خصوصًا في مرحلة مرض الإمام السجاد (عليه السلام)، حيث اضطلعت بدور نيابي في التعليم ونقل الأحكام، حفظًا لخط الإمامة من الانكشاف.
2. رواية الحديث ونقل التراث الفاطمي:
تُعد من أهم رواة خطبة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في فدك، وقد نقلها عنها عدد من الرواة، ما يجعلها حلقة مركزية في حفظ التراث العقدي لأهل البيت (عليهم السلام).
3. التعليم بعد العودة للمدينة:
تحول بيتها إلى مدرسة علمية مصغّرة، تتوافد إليه نساء المهاجرين والأنصار لتعلم معارف الدين وسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، وكان هذا النشاط أحد أسباب التضييق السياسي عليها.
—
سابعًا: ختام المسيرة والوفاة
اختلفت الروايات في مكان وفاتها بين الشام ومصر، إلا أن الثابت أن خروجها من المدينة كان نتيجة ضغط سياسي أو ظروف قحط. وبغضّ النظر عن موضع القبر، فإن الأثر الرسالي والعلمي الذي تركته بقي خالدًا.
—
الخاتمة
إن السيدة زينب (عليها السلام) لم تكن شاهدًا على واقعة الطف، بل كانت شريكة في صنع نتائجها:
حفظت الإمامة، وفضحت السلطة، وأعادت تشكيل الوعي العقدي، وأسست لخط علمي وتعليمي وإعلامي مستمر. وبفضل دورها، تحولت كربلاء من مأساة تاريخية إلى مدرسة خالدة في الوعي الإسلامي ومقاومة الظلم.
—
قائمة المصادر والمراجع
1. الشيخ المفيد، الإرشاد.
2. السيد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطف.
3. الطبرسي، الاحتجاج.
4. ابن أبي طيفور، بلاغات النساء.
5. الطبري، تاريخ الأمم والملوك.
6. أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين.
7. العلامة المجلسي، بحار الأنوار.
8. عبد الرزاق المقرم، السيدة زينب.
9. العبيدلي، أخبار الزينبيات.
10. السيد علي عاشور، موسوعة زينب الكبرى.