في شهر رمضان تواترت رسائل الكوفيين إلى الإمام الحسين ثم تحرك مسلم بن عقيل إلى الكوفة

بداية حركة أهل الكوفة والمكاتبات
بلغَ أهلَ الكوفةِ خبرُ هلاكِ معاويةَ، فأرجفوا بيزيدَ، وعرَفوا خبرَ الحسينِ (عليه‌السلام) وامتناعَه من بيعتِه، وما كانَ من ابنِ الزُّبيرِ في ذلكَ، وخروجهما إِلى مكّةَ.
اجتمعتِ الشِّيعةُ بالكوفةِ في منزلِ سُليمانَ بنِ صُرَدٍ، فذكروا هلاكَ معاويةَ فحمدوا اللهَ عليه، فقالَ سليمانُ:
«إِنّ معاويةَ قد هلكَ، وإنّ حُسَيناً قد تَقَبَّضَ على القومِ ببيعتِه، وقد خرجَ إِلى مكّةَ، وأنتم شيعتُه وشيعةُ أبيه، فإِن كنتم تعَلمونَ أنّكم ناصِروه ومجاهِدو عَدوِّه فاعلموه، وإِن خفتم الفشلَ والوهنَ فلا تغروا الرجلَ في نفسه».
فقالوا: «لا، بل نقاتلُ عدوَّه، ونقتلُ أنفسنا دونه».

المكاتبة الأولى
فكَتَبُوا:
بسمِ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
للحسينِ بنِ عليٍّ (عليهما‌السلام) من سُليمانَ بنِ صُردٍ، والمسَيَّبِ بنِ نَجَبَةَ، ورِفاعةَ بنِ شدّادٍ، وحبيبِ بنِ مُظاهِرٍ، وشيعتِه من المؤمنينَ والمسلمينَ من أهلِ الكوفةِ:
سلامٌ عليك، فإِنّا نحمدُ إِليكَ اللهَ الّذي لا إِلهَ إلّا هو.
أمّا بعدُ: فالحمدُ للّهِ الّذي قصمَ عدوَّكَ الجبّارَ العنيدَ، الّذي انتزى على هذهِ الأمّةِ فابتَزَها أمرَها، وغصبَها فيئَها، وتأمّرَ عليها بغيرِ رضىً منها، ثمّ قتلَ خيارَها واستبقى شِرارَها، وجعلَ مالَ اللّهِ دُوْلةً بينَ جبابرتِها وأغنيائُها، فبعُداً له كما بَعدَتْ ثمودُ.
إِنّه ليسَ علينا إِمامٌ، فأقبِلْ لعلّ اللّهَ أن يجمعَنا بكَ على الحقِّ. والنُّعمانُ بنُ بشيرٍ في قصرِ الأمارةِ، لسْنا نجَمِّعُ معَه في جمعةٍ ولا نخرجُ معَه إِلى عيدٍ، ولو قد بَلَغَنا أنّكَ أَقبلتَ إِلينا أخرَجْناه حتّى نُلحقَه بالشّامِ إِن شاءَ اللّهُ.
ثمّ سرّحوا الكتابَ معَ عبدِاللهِ بنِ مِسْمَعٍ الهَمْدانيّ وعبدِاللّهِ بنِ والٍ، وأمروهما بالنّجاءِ، فخرجا مُسرِعَيْنِ حتّى قدما على الحسينِ (عليه‌السلام) بمكّةَ لعشرٍ مَضَيْنَ من شهرِ رمضانَ.

توالي الرسائل
ولبثَ أهلُ الكُوفةِ يومينِ بعدَ تسريحِهم بالكتاب، وأنفذوا قيسَ بنَ مُسْهِرٍ الصَّيْداويّ وعبدَ الرّحمنِ بنَ عبدِ اللهِ الأرحبّي وعمارةَ بنَ عبدٍ السّلوليّ إِلى الحسينِ (عليه‌السلام) ومعَهم نحوٌ من مائةٍ وخمسينَ صحيفةً منَ الرّجلِ والاثنينِ والأربعةِ.
ثمّ لبثوا يومينِ آخرينِ وسرّحوا إِليه هانئَ بنَ هانئٍ السّبيعيّ وسعيدَ بنَ عبدِاللهِّ الحنفيّ، وكتبوا إِليه:
بسمِ اللهِّ الرّحمنِ الرّحيمِ
للحسينِ بنِ عليٍّ من شيعتهِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ.
أمّا بعدُ: فحيَّ هلا، فإِنّ النّاسَ ينتظرونَكَ، لا رأيَ لهم غيركَ، فالعجلَ العجلَ، ثمّ العجلَ العجلَ، والسلامُ.
وكتبَ شَبَثُ بنُ رِبعيٍّ وحجَّارُ بنُ أبجرَ ويزيدُ بنُ الحارثِ بنِ رُوَيمٍ وعروةُ بنُ قيسٍ، وعمروبنُ الحجّاجِ الزّبيديّ ومحمّد بنُ عمرو التّيميّ:
أمّا بعدُ: فقد اخضرَّ الجَنابُ وأينعتِ الثِّمارُ، فإِذا شئتَ فاقدمْ على جُندٍ لكَ مجنَّدٍ، والسّلامُ.

رد الحسين (عليه السلام) وإرسال مسلم بن عقيل
تلاقتِ الرُسّلُ كلُّها عندَه، فقرأ الكُتُبَ وسألَ الرّسلَ عنِ النّاسِ، ثمّ كتبَ معَ هانئ بنِ هانئٍ وسعيدِ بنِ عبدِاللّهِ -وكانا آخرَ الرُّسُلِ-:
بسمِ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
منَ الحسينِ بنِ عليٍّ إِلى الملإِ منَ المسلمينَ والمؤمنينَ.
أمّا بعدُ: فإِنّ هانئاً وسعيداً قَدِما عليَّ بكتبكم، وكانا آخرَ من قدمَ عليَّ من رسلِكم، وقد فهمتُ كلَّ الّذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالةَ جُلِّكم: أنّه ليسَ علينا إِمامٌ فأقبلْ لعلّ اللّهَ أن يجمعَنا بكَ على الهدى والحقِّ. وإِنِّي باعثٌ إِليكم أخي وابنَ عمِّي وثقتي من أهلِ بيتي، فإِن كتبَ إِليَّ أنّه قدِ اجتمعَ رأيُ مَلَئِكم وذوي الحِجا والفضلِ منكم على مثلِ ما قدمتْ به رُسُلُكم وقرأتُ في كُتُبِكم، أقدمُ عليكم وشيكاً إِن شاءَ اللّهُ. فَلعَمري ما الأمامُ إلأ الحاكمُ بالكتابِ، القائمُ بالقسطِ، الدّائنُ بدينِ الحقِّ، الحابسُ نفسَه على ذَاتِ اللّهِ، والسّلامُ.
ودعا الحسينُ بنُ عليٍّ (عليهما‌السلام) مسلمَ بنَ عقيلِ بنِ أَبي طالبٍ (رضيَ اللهُّ عنه) فسرَّحَه معَ قيسِ بنِ مُسْهِرٍ الصّيداويّ وعُمارة بن عبدٍ السَّلوليّ وعبدِ الرّحمنِ بنِ عبدِاللّهِ الأَرحبي، وأَمرَه بتقوى اللهِّ وكتمانِ أمرِه واللطفِ، فإِنْ رأَى النّاسَ مجتمعينَ مُسْتوسِقِينَ عَجَّلَ إِليه بذلكَ.
فأقبلَ مسلمٌ حتّى أَتى المدينةَ فصلّى في مسجدِ رسولِ اللّهِ (صلى‌الله‌عليه‌وآله) وودعَ من أَحبَّ من أَهلِه، ثمّ استأْجرَ دليلينِ من قيسٍ، فأقبلا به يتنكّبانِ الطّريقَ.

أنظر: الإرشاد للشيخ المفيد