الدور العلمي للإمام الهادي (عليه السلام)

​شمسٌ خلف قضبان سامراء: مدرسة الإمام الهادي (عليه السلام) وعمادها العلمي
​بين أسوار “سُرَّ من رأى”، حيث أراد الطغاةُ أن يحبسوا النور في زجاجة السلطة، انبعثت مدرسةٌ لم ترَ الدنيا لها مثيلاً. لم تكن جدران سامراء الضيقة عائقاً أمام إمامٍ جعل من صمته فقهاً، ومن رسائله دستوراً، ومن أصحابه كواكبَ تضيء مشارق الأرض ومغاربها. إنه الإمام علي بن محمد الهادي (عليهما السلام)، الذي أدار من قلب الحصار أعظم منظومة علمية عرفها التاريخ.

​الأركان الخمسة: أعمدةُ النور في ليل سامراء
​لقد قامت مدرسة الإمام الهادي على أكتاف رجالٍ صهرهم اليقين، فكانوا “جهازاً علمياً” عابراً للأقاليم. ومن بين مئات الرواة، برز خمسةُ أركانٍ حملوا أمانة العلم ونقلوها للأجيال:
​- إبراهيم بن هاشم القمي (شيخ المحدثين): هو الراوي الأكثر حضوراً في تاريخنا بقرابة 6400 مورد؛ عاصر الإمام الهادي وكان حلقة الوصل الكبرى التي نقلت تراث الكوفة إلى قم. لم يكن مجرد راوٍ، بل كان “فاتحاً علمياً” نشر حديث الأئمة في بلاد الفرس، فصار ميزاناً للتوثيق ومؤسساً لمدرسة قم الحديثية.
– الحسين بن سعيد الأهوازي (الفقيه المُصنّف): بأكثر من 5000 مورد حديثي، وقف الحسين بن سعيد كأحد أعظم الفقهاء الذين عاصروا الإمام. تخصصه الدقيق في “الفقه العملي” جعل من كتبه الثلاثين مرجعاً أساسياً لكل من جاء بعده. كان يمثل “الرصانة الفقهية” التي حولت فتاوى الإمام الهادي إلى منهج حياة يسير عليه الناس.
– سهل بن زياد الآدمي (ناقلُ أسرار سامراء): رغم الحصار، كان سهل بن زياد حاضراً بقرابة 2300 مورد؛ تميز بارتباطه المباشر بالإمام مكاتبةً ومشافهة. ركّز في رواياته على دقائق الفقه وخفايا العقيدة، وكان الجسر الذي عبرت منه مكاتبات الإمام في سامراء إلى بطون الكتب الكبرى كـ “الكافي”، متجاوزاً بصدقه عوائق التضييق الأمني.
– أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري (ربّان مدرسة قم): ورد اسمه في نحو 2290 مورداً؛ كان وكيل الإمام الهادي ووجه الطائفة في قم. لم يكن دوره مجرد نقل الحديث، بل كان “حارساً للعلم” يطرد الغلاة ويضبط النصوص. اتصاله المباشر بالإمام جعله المرجع الأول في تمييز الحق من الباطل، فكان يمثل “الشرعية العلمية” في أصعب الظروف.
​- محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري (جامعُ النوادر): بأكثر من 1160 مورداً، برز صاحب كتاب “نوادر الحكمة”. عاصر الإمام الهادي وروى عن كبار أصحابه، ليكون “الموسوعة الحية” التي حفظت المسائل النادرة والأحكام التي غابت عن غيره. كان دوره تكميلياً عبقرياً استوعب من خلاله شتات العلوم الهادوية وجمعها في مصنفات خالدة.

​الهوية العقدية والمواجهة الفكرية
​لم يكتفِ الإمام بهؤلاء الرواة، بل صاغ لهم “دستوراً عقدياً” يحفظهم من الذوبان في الفتن؛ فكانت “الزيارة الجامعة الكبيرة” هي البيان الختامي في علم الإمامة، وصاغ رسائله في الرد على “الجبر والتفويض” و”خلق القرآن” لتكون دروعاً فكرية تقي شيعته من الانزلاق في متاهات الكلام.

​رحيل الإمام وبقاء الرسالة
​رحل الإمام الهادي مسموماً شهيداً، لكنه ترك خلفه أكثر من 350 راوياً ومصنفاً، وآلاف المكاتبات التي وثقت الدين بخط يده. لقد نجح في تمهيد الأرض لغيبة حفيده المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حين عوّد الأمة على الارتباط بالفقهاء والرسائل العلمية، ليثبت للعالم أن الفكر لا يُسجن، وأن نور الله لا يُطفأ بأفواه السلاطين.

المصادر والمراجع
​- معجم رجال الحديث للسيد أبو القاسم الخوئي
– رجال الطوسي للشيخ محمد بن الحسن الطوسي
– رجال النجاشي للشيخ أحمد بن علي النجاشي
– مسند الإمام الهادي للشيخ عزيز الله العطاردي
– حياة الإمام علي الهادي للشيخ باقر شريف القرشي
– رجال البرقي للشيخ أحمد بن محمد بن خالد البرقي
– جامع رواة الحديث للشيخ محمد بن علي الأردبيلي