ميلاد الوارث: حين استبشرت السماء بقدوم سيد شباب أهل الجنة

الحسين بن علي (عليه السلام): إشراقة الوحي وميثاق الإمامة

المقدمة
تتجسد الحقيقة الحسينية في الوجدان الرسالي بوصفها الامتداد الوجودي لدوحة النبوة؛ فالحسين بن علي (عليهما السلام) هو الذي خُلق من طينة القداسة، ونشأ في حِجر الرسالة، فاستقى من منبع الوحي واكتسى ببرد الإمامة. إن مناقبه تقصرُ الألسن عن وصفها، وتكلُّ الأقلام عن تدوينها؛ إذ هو السبط الذي فاخر بمفاخره الأنام، وسما بمآثره على الأيام، فكان برّاً تقيّاً، وعابداً زاهداً، لم يكن له في زمانه كفؤ في الفضل والمنزلة. ومن هذا المنطلق، وهو الوارث لمقام أخيه الحسن بالحق، والمستودع لأسرار أبيه وجدّه بالصدق، والعلَم المنصوب للهدى الذي طاعته فرضٌ على كل من أقرّ لله بالتوحيد وللنبي بالبلاغ.

1. الهوية، الولادة، ومدة الحمل
الظرف الزماني والاعجازي لولادة الإمام الحسين (عليه السلام)، والتداخل الفريد بينه وبين أخيه الإمام الحسن (عليه السلام):
* من كتاب الإرشاد: “وُلِدَ بالمدينةِ لخمسِ ليالٍ خَلَوْنَ من شَعبانَ سنةَ أربعٍ منَ الهجرةِ، وجاءتْ به أُمُّه فاطمةُ عليهما‌ السلام إِلى جَدِّهِ رسولِ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله فاستبشرَ به وسمّاه حُسَيْنَاً وعَقَّ عنه كبشاً.”
* من كشف الغمة: “علقت به بعد أن ولدت أخاه الحسن (عليه السلام) بخمسين ليلة هكذا صح النقل فلم يكن بينه وبين أخيه (عليه السلام) سوى هذه المدة المذكورة ومدة الحمل.”
* من إعلام الورى: “ولد عليه‌السلام بالمدينة يوم الثلاثاء، وقيل: يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان، وقيل: لخمس خلون منه سنة أربع من الهجرة، وقيل: ولد آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن عليهما‌ السلام إلاّ الحمل والحمل ستّة.”
* من الكافي: “عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه‌السلام ، قَالَ : « كَانَ بَيْنَا الْحَسَنِ والْحُسَيْنِ عليهما‌ السلام طُهْرٌ ، وكَانَ بَيْنَهُمَا‌ فِي الْمِيلَادِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وعَشْرٌ ». وقال أيضاً: « ولَمْ يُولَدْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلاَّ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عليه‌ السلام والْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه‌السلام ».”

2. الألقاب والكُنى في الكتب السماوية واللسان العربي
ما خُص به من ألقاب تدل على رتبته ومقامه:
* من مناقب آل أبي طالب: “اسمه : الحسين وفي التوراة شبير ، وفي الانجيل طاب وكنيته : أبوعبدالله ، والخاص أبوعلي وألقابه : الشهيد السعيد ، والسبط الثاني ، والامام الثالث.”
* من كشف الغمة: “كنية الحسين عليه‌السلام أبوعبدالله لا غير وأما ألقابه فكثيرة : الرشيد ، والطيب ، والوفي ، والسيد ، والزكي ، والمبارك والتابع لمرضاة الله ، والسبط.. وقال ابن الخشاب : والدليل على ذات الله عزوجل.”
* من بحار الأنوار: “أوحى الله عزوجل إلى جبرئيل عليه‌السلام أنه قد ولد لمحمد ابن فاهبط إليه.. فسمه باسم ابن هارون قال : وما اسمه؟ قال : شبير قال : لساني عربي قال : سمه الحسين فسماه الحسين.”

3. الرضاعة الإعجازية وطهارة المولد
الجانب الملكوتي في نشأة الإمام الحسين (عليه السلام) واتصاله المباشر ببدن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌):
* من الكافي: “وَلَمْ يَرْضَعِ الْحُسَيْنُ عليه‌السلام مِنْ فَاطِمَةَ عليها‌ السلام ولَامِنْ أُنْثى ، كَانَ يُؤْتى بِهِ النَّبِيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فَيَضَعُ إِبْهَامَهُ فِي فِيهِ ، فَيَمُصُّ مِنْهَا مَا يَكْفِيهِ الْيَوْمَيْنِ والثَّلَاثَ ، فَنَبَتَ لَحْمُ الْحُسَيْنِ عليه‌السلام مِنْ لَحْمِ رَسُولِ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌ ودَمِهِ.”
* من بحار الأنوار: “لما سقط الحسين من بطن امه.. قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عمة هلمني إلي ابني فقلت : يارسول الله إنا لم ننظفه بعد ، فقال : يا عمة أنت تنظفينه؟ إن الله تبارك وتعالى قد نظفه وطهّره.”

4. النصوص على إمامته ووصية أخيه وجده
الانتقال الرسمي والشرعي لمقام الإمامة عبر الوصية والنص المباشر:
* من الإرشاد: “والأمامُ بعدَ الحسنِ بنِ عليٍّ عليهما‌ السلام أخوه الحسينُ بنُ عليٍّ.. بنصِّ أبيه وجَدِّه عليه ، ووصيّةِ أخيه الحسنِ إِليه. وقد صرّحَ رسول اللّهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالنّصِّ على إِمامتهِ وامامةِ أخيه من قبلهِ بقولهِ : « ابناي هذانِ إِمامانِ قاما أوقعدا ».”
* من إعلام الورى: “يا محمّد بن عليّ ، أما علمت أنّ الحسين بن عليّ بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي إمام من بعدي ، وعند الله في الكتاب وراثة من النبيّ أضافها الله له في وراثة أبيه واُمّه.”
* من الكافي: “أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌ أَنْ أُوصِيَ إِلَيْكَ ، وأَنْ أَدْفَعَ إِلَيْكَ كُتُبِي وسِلَاحِي.. وأَمَرَنِي أَنْ آمُرَكَ إِذَا حَضَرَكَ الْمَوْتُ أَنْ تَدْفَعَهَا إِلى أَخِيكَ الْحُسَيْنِ.”

5. البشارة بالشهادة والكرامات الغيبية
العلاقة بين تضحية الإمام الحسين (عليه السلام) وبين الجعل الإلهي للإمامة والكرامة الإلهية:
* من الكافي: “لَمَّا حَمَلَتْ فَاطِمَةُ عليها‌ السلام بِالْحُسَيْنِ عليه‌السلام ، جَاءَ جَبْرَئِيلُ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌ ، فَقَالَ : إِنَّ فَاطِمَةَ سَتَلِدُ غُلَاماً تَقْتُلُهُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ.. وَفِيهِ نَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ : ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ).”
* من الكافي أيضاً: “يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ ، ويُبَشِّرُكَ بِأَنَّهُ جَاعِلٌ فِي ذُرِّيَّتِهِ الْإِمَامَةَ وَالْوَلَايَةَ والْوَصِيَّةَ ، فَقَالَ: قَدْ رَضِيتُ.”
* من بحار الأنوار: “فتمسح فطرس بالحسين بن علي عليهما‌ السلام وارتفع ، فقال : يارسول الله أما إن امتك ستقتله وله علي مكافاة ألا يزوره زائر إلا أبلغته عنه ولا يسلم عليه مسلم إلا أبلغته سلامه.”

الخاتمة
صفوةُ القول، إن الحسين بن علي (عليهما السلام) سيظل في ميزان الحق إماماً قام، وقمراً تمام، وبحراً طما، وسحاباً هما؛ فهو ابن من زكّى وصلى، وابن من جاهد وأبلى، خُلق من نور العظمة، ورُضع بلسان الرحمة، فكان في السجود أطولهم، وفي الجود أجودهم، وفي الحرب أشجعهم. لقد أثبتت حقائق الوحي ومواريث الأنبياء أنه الشخصية المقدسة التي جُعل في ذريتها الأئمة (عليهم السلام)، وبتربتها الشفاء، وتحت قبتها استجابة الدعاء. فسلامٌ على ميثاق الله الذي لا يُنقض، ونوره الذي لا يُطفأ، وحجته البالغة التي جعلت منه الدليل الأسمى على الله سبحانه ما بقي الدهر.

المصادر:
* الكافي للكليني.
* الإرشاد للشيخ المفيد.
* إعلام الورى للطبرسي.
* كشف الغمة للإربلي.
* مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب.
* بحار الأنوار للمجلسي.