إخفاء المثالب بين التأصيل والتطبيق

من جملة الإثارات التي يُثيرها البعض هي تفرُّد الإمامية بذكرِ مثالب القوم بصورةٍ مفصَّلة وواضحة، بينما تكون معدومة عند أهل الخلاف أصلاً أو هي مقتضبة ومشوَّشة، مما يؤدِّي إلى التشكيك تارة وإلى التشنيع تارة أُخرى، ولأجلِ بيان السبب من وراءِ ذلك كتبتُ هذه المقال.

التأصيل لإخفاء المثالب:

إنَّ المتتبع لتراث أهل الخلاف يجدُ الكثير من الكلمات التي تصرُّح بوجوبِ إخفاء المثالب التي ارتكبها بعض الصحابة، بل وأوجبوا على الحاكمِ أنْ يُعاقب من تكلَّم في ذلك وأنْ يخلِّد في الحبس من لم يتبْ منه!!

1ـ قال أحمد بن حنبل: (ومن الحجَّة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) كلِّهم أجمعين، والكف عن ذكر مساوئهم والخلاف الذي شجر بينهم … إلى أنْ قال: لا يجوز لأحدٍ أنْ يذكر شيئاً من مساوئهم، ولا يطعن على أحدٍ منهم بعيب ولا بنقص. فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أنْ يعفو عنه، بل يُعاقبه ويستتيبه، فإنْ تاب قبل منه، وإنْ ثبت عـاد عليه بالعقوبة وخـلَّده الحبس حتَّى يموت أو يرجع) ([1]).

2ـ وقال الذهبي: (تقرر الكفُّ عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم … وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيُّه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب، وتتوفر على حبِّ الصحابة، والترضِّي عنهم، وكتمان ذلك متعيِّن عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخَّص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصِف العري من الهوى، بشرط أنْ يستغفر لهم، كما علَّمنا الله تعالى)([2]).

3ـ وقال ابن حجر: (اتَّفق أهلُ السنة على وجوبِ منع الطعن على أحدٍ من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عَرفَ المحقَّ منهم، لأنهم لَم يقاتلوا في تلك الحروب إلَّا عن اجتهادٍ، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً وأنَّ المصيب يؤجر أجرين) ([3]).

إذن: فالمتحصَّل من مجموع كلماتهم، هو التأصيل لحرمةِ ذكـر الروايات التي من شأنها أنْ تسيء إلى رموزهم، بل والتأصيل لمعاقبةِ كلِّ من يروي تلك الأخبار الثالبة لهم، فكيف يُعقل ـ بعد هذا ـ أنْ نعثر على أخبارٍ صحيحة صريحة تدلُّ على مثالب القوم؟!

نعم، مع كلِّ هذا التعتيم المظلم فقد وصلت إلينا بعض الأخبار والآثار التي تؤكِّد هذه الحقائق إلَّا أنَّ القوم يحاولون الالتفاف عليها بالحذفِ أو التمويه أو غير ذلك، كما لا يخفى لمن عَلِمَ طريقتهم في أمثال هذه القضايا.

التطبيق لإخفاء المثالب:

بعدما تبيَّن أنَّ القوم قد أصَّلوا وأسَّسوا لحرمةِ ومعاقبةِ من يروي مثالب الصحابة، فقد تفنَّنوا في إخفاءِ وتمويه ما وصل إلينا منها، وسوف نذكر بعض الأمثلة على ذلك إنْ شاء الله تعالى.

المثال الأوَّل:

روى الضياء المقدسي بسنده عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: (دخلتُ على أبي بكر … أعوده في مرضه الذي توفي فيه، فسلَّمتُ عليه وسألته: كيف أصبحت؟ فاستوى جالساً … ثمَّ قال: أمَّا إني لا آسى على شيءٍ إلَّا على ثلاث فعلتهن وددتُ أني لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددتُ أني فعلتهن، وثلاث وددتُ أني سألتُ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) عنهن. فأمَّا الثلاث اللاتي وددتُ أني لم أفعلهن، فوددتُ أني لم أكن كشفتُ بيت فاطمة أو تركته وأنْ أعلق على الحرب…الحديث)([4]).

بينما حُرِّف الحديث في نقلِ أبي عُبيد الهروي.

فقد روى أبو عُبيد الهروي بسنده عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف،  عن أبيه عبد الرحمن قال: (دخلتُ على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفي فيه … إلى قول أبي بكر: فأما التي فعلتها وودتُ أني لم أفعلها، فوددتُ أني لم أكن فعلتُ كذا وكذا، لخلةٍ ذكرها. قال أبو عبيد: لا أريدُ ذكرها …الحديث)([5]).

أقول: لقد حرَّف أبو عبيد الهروي الحديث الدال على ندم أبي بكر آخر حياته في هجومه الغاشم على بيت الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) وأبدله بقوله:  (كذا وكذا)  إخفاءً لمثلبةٍ من مثالب أبي بكر كما هو واضح، كلُّ ذلك تطبيقاً للقاعدة التي أصَّلوها وأسَّسوها كما قلنا.

 المثال الثاني:

روى ابن أبي شيبة بسنده عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم: (أنه حين بُويع لأبي بكر بعد رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) كان عليٌّ والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطَّاب خرج حتَّى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، والله ما من أحدٍ أحب إلينا من أبيك، وما من أحدٍ أحب إلينا بعد أبيك منك، وأيمُ الله ما ذاك بمـانعي إنْ اجتمع     هؤلاء النفر عندك أنْ أمرتـهم أنْ يحرَّق عليهم البيت. قال: فلمـا خرج عمر جاؤوها…الحديث)([6]).

بينما حُرِّف الحديث في نقل أحمد بن حنبل.

فقد روى بسنده عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: (لما بُويع لأبي بكر بعد النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) كان عليٌّ والزبير بن العوَّام يدخلان على فاطمة فيشاورانها، فبلغ عمر فدخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول الله، ما أحدٌ من الخلق أحب إلينا من أبيك، وما أحدٌ من الخلق بعد أبيك أحب إلينا منك، وكلَّمها، فدخل علي والزبير على فاطمة … الحديث) ([7]).

أقول: لقد حُذف تهديد عمر بن الخطَّاب للصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) بالحرق وأُبدل بقول: (فكلَّمها) إخفاءً لمثلبةٍ من مثالب عمر كما هو واضح.

المثال الثالث:

روى أبو بكر الحميدي بسنده عن طاووس أنه سمع بن عبَّاس يقول: (بلغ عمر بن الخطَّاب أنَّ سَمُرَة باع خمراً، فقال: قاتل الله سَمُرَة ألم يعلم أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال: لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها) ([8]).

بينما حُرِّف الحديث في نقل البخاري.

فقد روى البخاري بسنده الصحيح عن طاووس أنه سمع ابن عبَّاس … يقول: (بلغ عمر أنَّ فلاناً باع خمراً، فقال: قاتل الله فلاناً ألم يعلم أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال: قاتل الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها) ([9]).

أقول: لقد حرَّف البخاري رواية شيخه الحميدي، فبدَّل اسم سَمُرَة بلفظ (فلان) إخفاءً لمثلبةٍ من مثالب الصحابي سَمُرَة بن جندب وهي بيع الخمر!

هذه جملةٌ من النماذج المختصرة من تطبيق قاعدتهم المشار إليها سابقاً، وهي وجوب إخفاء كلِّ مثلبةٍ من مثالبِ رموزهم وأسيادهم وإلَّا فلو أردنا الاستقصاء والتتبع لطال بنا المقام، ولكنَّ اللبيب بالإشارةِ يكتفي.

[1]ـ طبقات الحنابلة لأبي يعلى ج1ص30 مطبعة السنة المحمدية.

[2]ـ سير أعلام النبلاء  ج10 ص92، مؤسسة الرسالة، بتصرُّف.

[3]ـ فتح الباري لابن حجـر  ج13ص 34 ، دار المعرفة، بيروت.

[4]ـ الأحاديث المختارة ج1ص 89، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.

[5]ـ كتاب الأموال ج1ص 174، دار الفكر، بيروت.

[6]ـ المصنَّف ج7 ص432، مكتبة الـرشد، الرياض.

[7]ـ فضائل الصحابة ج1 ص 364 مؤسسة الرسالة.

[8]ـ مسند الحميدي  ج1 ص 154 دار السقا، دمشق.

[9]ـ صحيح البخاري ج3 ص 82 دار طوق النجاة.

الشيخ نُهاد الفيَّاض