دراسة لتأريخ قتل عمر بن الخطاب حسب الموزاين العلمية

المقدمة

نتعرض في دراسة حادثة مقتل عمر بن الخطاب لاستعراض الروايات عند الفريقين؛ إذ يهدف هذا البحث إلى إبانة الحقيقة التاريخية الكاشفة عن بطلان ما يزعمه العامة من وقوع القتل في أواخر ذي الحجة سنة 23هـ. ويعتمد البحث على منهج تحليلي استدلالي يدمج بين الدقة العقلية، واستقراء نصوص السير والتاريخ من مصادر القوم أنفسهم، وقواعد الجرح والتعديل، لتأكيد التلازم بين تاريخ شهادة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في أواخر صفر أو أوائل ربيع الأول وبين ما استقرّ عليه إجماع الإمامية وأهل الحق من وقوع حادثة القتل في اليوم التاسع من شهر ربيع الأول، كاشفاً عن التناقض والتخليط الواقع في تواريخ العامة.

القول بأن تاريخ قتل عمر في التاسع من ربيع الأول:

قد اختاره جملة من أجلة فقهائنا ومحدثينا، منهم: الشيخ الصدوق (ت 381هـ)، وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري (من علماء القرن الخامس) في (دلائل الإمامة)، والشيخ الجليل هاشم بن محمد (توفي في القرن السادس) في (مصباح الأنوار)، والسيد رضي الدين علي بن طاووس (خلف السيد ابن طاووس المشهور، ولد سنة 647هـ) في (زوائد الفوائد)، والشيخ حسن بن سليمان الحلي (توفي في القرن التاسع) في (المحتضر)، والسيد هاشم البحراني (ت 1107هـ) في (مدينة المعاجز)، والعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي (ت 1111هـ) في (بحار الأنوار)، والسيد نعمة الله الجزائري (ت 1112هـ) في (الأنوار النعمانية)، والمحدث الميرزا الشيخ حسين النوري الطبرسي (ت 1320هـ) في (مستدرك الوسائل)، والمحدث القمي (ت 1359هـ) في (مفاتيح الجنان)، وبعض المتأخرين من علمائنا رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

​هذا، ولجمع من هؤلاء الأعلام رسائل خاصة في إثبات كون القتل وقع في التاسع من الربيع، كصاحبي البحار والمستدرك.

ونتبرك بنقل عبارة غواص بحار أنوار أخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام، العلامة المجلسي في كتابه (بحار الأنوار)، فإنه قال: «..والمشهور بين الشيعة في الأمصار والأقطار في زماننا هذا هو أنه اليوم التاسع من ربيع الأول، وهو أحد الأعياد، ومستندهم في الأصل ما رواه خلف السيد النبيل علي بن طاووس في كتاب زوائد الفوائد، والشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر.. ويظهر منه ـ أي من ابن طاووس ـ ورود رواية أخرى عن الصادق بهذا المضمون رواها الصدوق، ويظهر من كلام خلفه الجليل ورود عدة روايات دالة على كون قتله في ذلك اليوم، فاستبعاد ابن إدريس وغيره ليس في محله؛ إذ اعتبار تلك الروايات مع الشهرة بين أكثر الشيعة سلفاً وخلفاً لا يقصر عما ذكره المؤرخون من المخالفين، ويحتمل أن يكونوا غيروا هذا اليوم ليشتبه الأمر على الشيعة فلا يتخذوه يوم عيد وسرور.

فإن قيل: كيف اشتبه هذا الأمر العظيم بين الفريقين مع كثرة الدواعي إلى ضبطه ونقله؟

قلنا: نقلب الكلام عليكم، مع أن هذا الأمر ليس بأعظم من شهادة الرسول صلى الله عليه وآله، مع شدة تلك المصيبة العظمى، وما استتبعته من الدواهي الأخرى، مع أنهم اختلفوا ـ أي العامة ـ في يوم القتل كما عرفت وإن اتفقوا في كونه في ذي الحجة، ومن نظر في اختلاف الشيعة وأهل الخلاف في أكثر الأمور التي توفرت الدواعي على نقلها مع كثرة حاجة الناس إليها، كالأذان والوضوء والصلاة والحج، وتأمل فيها، لا يستبعد أمثال ذلك، والله تعالى أعلم بحقائق الأمور»​(1). ​(1) بحار الأنوار 31 : 119.

​وأكثر ما ذكر العلامة المجلسي هنا أورده في كتابه (زاد المعاد) باللغة الفارسية، فإنه قال: «اعلم أن الخلاف واقع بين علماء الخاصة والعامة في تاريخ قتل عمر بن الخطاب.. ويظهر من الكتب المعتبرة، كما هو المشهور الآن بين عوام الشيعة، أن قتله وقع في التاسع من ربيع الأول»، ثم ذكر رواية أحمد بن إسحاق وغيره من أدلة هذا القول.

كما أن له رسالة مستقلة في مقتل عمر بالفارسية طبعت مؤخراً.

​تأييد صاحب الجواهر لرواية أحمد بن إسحاق

ونجعل مسك الختام لهذا البحث عبارة أفقه فقهاء القرون الأخيرة، ألا وهو صاحب جواهر الكلام في آخر بحث الأغسال الزمانية؛ فقد جاء بفصل الخطاب على اختصاره، حيث قال: «وأما الغسل للتاسع من ربيع الأول فقد حكي أنه من فعل أحمد بن إسحاق القمي معلّلاً بأنه يوم عيد، لما روي ما اتفق فيه من الأمر العظيم الذي يسر المؤمنين ويغيظ المنافقين، لكن قال في المصابيح: إن المشهور بين علمائنا وعلماء الجمهور أن ذلك واقع في السادس والعشرين من ذي الحجة، وقيل في السابع والعشرين منه. قلت: لكن المعروف الآن بين الشيعة إنما هو يوم تاسع ربيع، وقد عثرت على خبر مسند إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ في فضل هذا اليوم وشرفه وبركته وأنه يوم سرور لهم عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ما يحير فيه الذهن، وهو طويل وفيه تصريح باتفاق ذلك الأمر فيه، فلعلنا نقول باستحباب الغسل فيه بناء على استحبابه لمثل هذه الأزمنة، ولا سيما مع كونه عيداً لنا ولأئمتنا عَلَيْهِمُ السَّلَامُ». انتهى كلامه رحمه الله(2). (2) جواهر الكلام 5 : 43.

الأدلة على ذلك

​الدليل الأول: الشهرة بين الشيعة

اعلم أنه من أقوى الأدلة على ترجيح هذا القول كونه الرأي السائد والمشهور بين جمهور الشيعة قديماً وحديثاً.

وحيث إنه لما كان قتل عمر أمراً مهماً في نظر الشيعة، وكان يوم قتله من أهم الأعياد وأيام الفرح عندهم ـ كيف لا وهم قد خُلقوا من فاضل طينة أئمتهم، يحزنون لحزنهم ويفرحون لفرحهم؟! ـ فإنه لا يحتمل في حقهم التساهل فيه والتغافل عنه، بل كانوا يحيونه بشكل كبير، ويظهرون فيه مظاهر الفرح والسرور في كل سنة، وكانوا يتعاهدونه خلفاً عن سلف.

​وما كان هذا حاله من الاهتمام وشأنه من الشياع والانتشار بين الشيعة في جميع الأعصار والأمصار، فإنه لا يتمكن أحد من إيراد التحريف والتغيير فيه، بل لا يحتاج إثباته لإقامة الأدلة والبراهين؛ لكونه من الضروريات التي يكفي للاعتقاد بها أدنى الالتفات، اللهم إلا لإزاحة الشبهة عن أذهان بعض الغافلين، أو ردّ وإفحام الأعداء والمعاندين.

​والظاهر أن هذا النحو من الاشتهار بين الشيعة متصل بزمن قتل عمر بن الخطاب؛ إما عملاً باتخاذه عيداً لهم، أو اعتقاداً بتناقلهم له خلفاً عن سلف، ولو مع مراعاة شرائط التقية.

ولا أقل من أنه كان مقصوراً على الخُلّص والخواص من الشيعة في زمن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة السابقين عليبهم السلام، ثم اشتهر في زمن الإمام أبي الحسن العسكري عليه السلام وما بعده، بعد ما أمر شيعته باتخاذ هذا اليوم عيداً، فشاع اتخاذه عيداً بينهم منذ ذلك الوقت، بدءاً من قم المقدسة ـ بلدة أحمد بن إسحاق ناقل الرواية عن الإمام الهادي عليه السلام ـ ثم بعض البلاد المتمحضة بالتشيع على مر التاريخ، مثل كاشان مدفن أبي لؤلؤة، وسبزوار وغيرهما، إلى أن انتشر وتم إحياؤه من قبل الشيعة في جميع بلاد العرب والعجم والهند وغيرها.

​كما أنه أخذ صفة العيد الرسمي العام في بلاد إيران منذ زمن الحكومة العلوية الصفوية وإلى زماننا هذا، وسوف يستمر ويصل إلى غاية ازدهاره بعد ظهور المهدي المنتظر عليه السلام طالب ثار الزهراء عليها السلام.

​وعليه، فإن هذا النحو من اشتهار المسألة قولاً وعملاً بين جمهور الشيعة في كل الأمصار والأعصار بنحو متصل بزمن الأئمة الأطهار، يكشف لا محالة عن إمضائهم لذلك، وتأييدهم لكون قتل عمر وقع في التاسع من الربيع، وكون هذا اليوم مما يجب على المؤمنين أن يتخذوه عيداً.

​وهذه الشهرة بين أبناء المذهب الحق مشمولة لقوله: «… خذ بما اشتهر بين أصحابك…» (3)؛ حيث قد عرفت شموله للشهرة بين عوام الشيعة وجمهورهم، بل هي المتيقن من مفاد هذا الحديث، إذ هل يعقل أن يتفق أبناء المذهب الحق على مرأى ومسمع من أئمتهم عليهم السلام ـ أئمة الحق ـ إلا على الحق؟! (3) عوالي اللئالي 4 : 133.

​وأما ما ذكرناه من إطباق الشيعة على هذا الرأي قولاً وعملاً قديماً وحديثاً، فيشهد له ما نقله الكفعمي عن كتاب (مسار الشيعة) للشيخ المفيد أنه قال: «… وجمهور الشيعة يزعمون أن فيه ـ أي التاسع من ربيع الأول ـ قتل عمر بن الخطاب، وليس بصحيح..» (4). (4) بحار الأنوار 31 : 119.

فقد اعترف بأن عمل جمهور الشيعة إلى زمانه هو اتخاذ التاسع من الربيع عيداً، اعتقاداً منهم بأنه يوم قتل عمر بن الخطاب.

​وقال العلامة المجلسي: «… والمشهور بين الشيعة في الأمصار والأقطار في زماننا هذا أنه اليوم التاسع من ربيع الأول، وهو أحد الأعياد…» (5). (5) المصدر السابق.

وقد نقل الشهرة الشيعية على ذلك غير هؤلاء الأعلام أيضاً، ومثل هذه الشهرة لا تقصر من حيث الاعتبار عن الخبر المستفيض أو المتواتر، سيما بملاحظة أن الأصل في الخبر هو التناقل اللفظي، وأن الكتابة والتدوين أمر عارض دعت إليه الحاجة والظروف الموضوعية التي تم تناقل الأخبار في ظلها.

​وعلى الرغم من ذلك، لم يكن بناء الأصحاب على العمل بالخبر بمجرد كونه مدوناً في كتاب من كتب الطائفة وإن صح سنده، بل ما كانوا يعملون في الأغلب إلا بروايات الكتب المشتهرة بين الطائفة، والتي عليها المعول وإليها المرجع.

فالمرجع في الحجية والاعتبار ـ حتى في الروايات الصحيحة المدونة في الكتب المعتبرة ـ إلى الاشتهار بين الطائفة الحقة، فكيف لا تكون مثل هذه الشهرة كافية في إثبات الخبر بوقوع موت من ذكر في التاسع من الربيع فيما نحن فيه؟! وفي قول العلامة المجلسي: «إذ اعتبار تلك الروايات مع الشهرة بين أكثر الشيعة سلفاً وخلفاً لا يقصر عما ذكره المؤرخون من المخالفين» إشارة إلى ذلك.

​وخلاصة الكلام في الدليل الأول: أن الشيعة من زمن الأئمة، بل منذ زمن قتل عمر وإلى يومنا هذا، يتخذون يوم التاسع من ربيع الأول عيداً اعتقاداً منهم بأنه اليوم الذي قتل فيه عمر بن الخطاب، وهذا دليل قطعي على صحة هذا الرأي وكونه هو الحق في المسألة.

​الدليل الثاني: رواية الثقة الجليل أحمد بن إسحاق القمي

وليكن أول ما نذكره رواية أحمد بن إسحاق القمي؛ لكونها هي الرواية الشيعية الوحيدة التي وصلتنا ـ بعين ألفاظها ـ عن أئمتنا في تحديد تاريخ قتل عمر وبيان فضيلة اتخاذ يوم قتله عيداً، وأما بقية الروايات فقد أشار علماؤنا إلى وجودها ونقلوها إلينا بالمعنى كما سيأتي.

عن محمد بن العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا: تنازعنا في ابن الخطاب فاشتبه علينا أمره، فقصدنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمي صاحب أبي الحسن العسكري بمدينة قم، وقرعنا الباب فخرجت إلينا صبية عراقية من داره، فسألناها عنه، فقالت: هو مشغول بعيده فإنه يوم عيد.

فقلنا: سبحان الله، الأعياد ـ أعياد الشيعة ـ أربعة: الأضحى، والفطر، ويوم الغدير، ويوم الجمعة.

[تعيّد أحمد بن إسحاق في هذا اليوم]

قالت: فإن أحمد بن إسحاق يروي عن سيده أبي الحسن علي بن محمد العسكري أن هذا اليوم هو يوم عيد، وهو أفضل الأعياد عند أهل البيت وعند مواليهم.

قلنا: فاستأذني لنا بالدخول عليه وعرّفيه بمكاننا، فدخلت عليه وأخبرته بمكاننا، فخرج علينا وهو متزر بمئزر له، محتَبٍ بكسائه، يمسح وجهه، فأنكرنا ذلك عليه.

فقال: لا عليكما؛ فإني كنت اغتسلت للعيد.

قلنا: أو هذا يوم عيد، وكان يوم التاسع من شهر ربيع الأول؟!

قال: نعم.

​[تعيّد الإمام الهادي في هذا اليوم]

قالا جميعاً: فأدخلنا داره، وأجلسنا على سرير له، وقال: إني قصدت مولانا أبا الحسن العسكري مع جماعة إخوتي ـ كما قصدتماني ـ بسرّ من رأى، فاستأذنا بالدخول عليه فأذن لنا، فدخلنا عليه صلوات الله عليه في مثل هذا اليوم ـ وهو يوم التاسع من شهر ربيع الأول ـ وسيدنا قد أوعز إلى كل واحد من خدمه أن يلبس ما يمكنه من الثياب الجدد، وكان بين يديه مجمرة يحرق العود بنفسه. قلنا: بآبائنا أنت وأمهاتنا يا ابن رسول الله، هل تجدد لأهل البيت في هذا اليوم فرح؟!

​[تعيّد رسول الله في هذا اليوم]

فقال: وأي يوم أعظم حرمة عند أهل البيت من هذا اليوم؟! ولقد حدثني أبي أن حذيفة بن اليمان دخل في مثل هذا اليوم ـ وهو التاسع من شهر ربيع الأول ـ على جدي رسول الله. قال حذيفة: رأيت سيدي أمير المؤمنين مع ولديه الحسن والحسين يأكلون مع رسول الله، وهو يتبسم في وجوههم، ويقول لولديه الحسن والحسين:

كلا! هنيئاً لكما ببركة هذا اليوم، فإنه اليوم الذي يهلك الله فيه عدوه وعدو جدكما، ويستجيب فيه دعاء أمكما.

كلا! فإنه اليوم الذي يقبل الله فيه أعمال شيعتكما ومحبيكما.

كلا! فإنه اليوم الذي يصدق فيه قول الله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾.

كلا! فإنه اليوم الذي تتكسر فيه شوكة مبغض جدكما.

كلا! فإنه يوم يُفقد فيه فرعون أهل بيتي، وظالمهم، وغاصب حقهم.

كلا! فإنه اليوم الذي يقدم الله فيه إلى ما عملوا من عمل فيجعله هباء منثورا.

​[إخبار النبي عن أفعال عمر من بعده]

قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله، وفي أمتك وأصحابك من ينتهك هذه الحرمة؟

فقال رسول الله: نعم يا حذيفة! جِبْتٌ من المنافقين يترأس عليهم، ويستعمل في أمتي الرياء، ويدعوهم إلى نفسه، ويحمل على عاتقه درة الخزي، ويصد الناس عن سبيل الله، ويُحرّف كتابه، ويغيّر سنتي، ويشتمل على إرث ولدي، ويُنصب نفسه علماً، ويتطاول على إمامه من بعدي، ويستحل أموال الله من غير حلها، وينفقها في غير طاعته، ويُكذّبني ويُكذّب أخي ووزيري، ويُنحي ابنتي عن حقها، وتدعو الله عليه ويستجيب الله دعاءها في مثل هذا اليوم.

قال حذيفة: قلت: يا رسول الله! لم لا تدعو ربك عليه ليهلكه في حياتك؟!

قال: يا حذيفة، لا أحب أن أجترئ على قضاء الله لما قد سبق في علمه، لكني سألت الله أن يجعل لليوم الذي يقبضه فيه فضيلة على سائر الأيام، ليكون ذلك سُنّةً يَستنّ بها أحبائي وشيعة أهل بيتي ومحبوهم.

​[عمر أشد أهل النار عذاباً في الآخرة]

فأوحى إليّ جل ذكره، فقال لي: يا محمد! كان في سابق علمي أن تمسك وأهل بيتك محنُ الدنيا وبلاؤها، وظلم المنافقين والغاصبين من عبادي؛ من نصحتهم وخانوك، ومحضتهم وغشوك، وصافيتهم وكاشحوك، وأرضيتهم وكذبوك، وانتجيتهم وأسلموك، فإني بحولي وقوتي وسلطاني لأفتحنّ على روح من يغصب بعدك علياً حقه ألف باب من النيران من سفال الفيلوق، ولأصلينه وأصحابه قعراً يُشرف عليه إبليس فيلعنه، ولأجعلنّ ذلك المنافق عبرةً في القيامة لفراعنة الأنبياء وأعداء الدين في المحشر، ولأحشرنّهم وأولياءهم وجميع الظلمة والمنافقين إلى نار جهنم زرقاً كالحين أذلة خزايا نادمين، ولأخلدنّهم فيها أبد الآبدين.

يا محمد! لن يوافقك وصيُك في منزلتك إلا بما يمسه من البلوى من فرعونه وغاصبه الذي يجترئ عليَّ، ويُبدّل كلامي، ويُشرك بي، ويصد الناس عن سبيلي، ويُنصّب من نفسه عجلاً لأمتك، ويكفر بي في عرشي.

​[ملائكة السماء يحتفلون بعيد الزهراء في العالم العلوي]

إني قد أمرت ملائكتي في سبع سماواتي وشيعتكم ومحبيكم أن يتعيدوا في هذا اليوم الذي أقبضه إليَّ، وأمرتهم أن ينصبوا كرسي كرامتي حذاء البيت المعمور، ويثنوا عليّ، ويستغفروا لشيعتكم ومحبيكم من ولد آدم، وأمرت الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن الخلق كلهم ثلاثة أيام من ذلك اليوم، ولا أكتب عليهم شيئاً من خطاياهم كرامةً لك ولوصيك.

[الثواب العظيم للشيعة لتعيدهم في هذا اليوم]

يا محمد! إني قد جعلت ذلك اليوم عيداً لك ولأهل بيتك ولمن تبعهم من المؤمنين وشيعتهم، وآليت على نفسي بعزتي وجلالي وعلوي في مكاني لأحْبُوَنَّ من تعيد في ذلك اليوم محتسباً ثواب الخافقين، ولأشفعنَّه في أقربائه وذوي رحمه، ولأزيدنَّ في ماله إن وسع على نفسه وعياله فيه، ولأعتقنَّ من النار في كل حول في مثل ذلك اليوم ألفاً من مواليكم وشيعتكم، ولأجعلَنَّ سعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، وأعمالهم مقبولة.

​[تحقق ما أخبر به النبي في شأن عمر]

قال حذيفة: ثم قام رسول الله فدخل إلى بيت أم سلمة، ورجعت عنه وأنا غير شاك في أمر الشيخ ـ أي عمر ـ حتى ترأس بعد وفاة النبي وأتيح الشر وعاد الكفر، وارتد عن الدين، وتشمر للملك، وحرف القرآن، وأحرق بيت الوحي، وأبدع السنن، وغير الملة، وبدل السنة، ورد شهادة أمير المؤمنين، وكذب فاطمة بنت رسول الله، واغتصب فدكاً، وأرضى المجوس واليهود والنصارى، وأسْخَن قرة عين المصطفى ولم يُرضها، وغير السنن كلها، ودبر على قتل أمير المؤمنين، وأظهر الجور، وحرم ما أحل الله، وأحل ما حرم الله، وألقى إلى الناس أن يتخذوا من جلود الإبل دنانير، ولطم وجه الزكية، وصعد منبر رسول الله غصباً وظلماً، وافترى على أمير المؤمنين وعانده وسفه رأيه.

​[استجابة دعاء الزهراء في حق عمر على يد أبي لؤلؤة]

قال حذيفة: فاستجاب الله دعاء مولاتي على ذلك المنافق، وأجرى قتله على يد قاتله رحمة الله عليه، فدخلت على أمير المؤمنين لأهنئه بقتل المنافق ورجوعه إلى دار الانتقام.

قال أمير المؤمنين: يا حذيفة، أتذكر اليوم الذي دخلت فيه على سيدي رسول الله وأنا وسبطاه نأكل معه، فدلك على فضل ذلك اليوم الذي دخلت عليه فيه؟

قلت: بلى يا أخا رسول الله.

​[أسماء يوم قتل عمر]

قال: هو والله اليوم الذي أقر الله به عين آل الرسول، وإني لأعرف لهذا اليوم اثنين وسبعين اسماً.

قال حذيفة: قلت: يا أمير المؤمنين، أحب أن تُسمعني أسماء هذا اليوم، وكان يوم التاسع من شهر ربيع الأول. فقال أمير المؤمنين:

1. هذا يوم الاستراحة

2. ويوم تنفيس الكربة

3. ويوم الغدير الثاني

4. ويوم تحطيط الأوزار

5. ويوم الخيرة

6. ويوم رفع القلم

7. ويوم الهدي

8. ويوم العافية

9. ويوم البركة

10. ويوم الثارات

11. ويوم عيد الله الأكبر

12. ويوم يستجاب فيه الدعاء

13. ويوم الموقف الأعظم

14. ويوم التوافي

15. ويوم الشرط

16. ويوم نزع السواد

17. ويوم ندامة الظالم

18. ويوم التصفح

19. ويوم فرح الشيعة

20. ويوم التوبة

21. ويوم الإنابة

22. ويوم الزكاة العظمى

23. ويوم الفطر الثاني

24. ويوم سيل النغاب

25. ويوم تجرع الريق

26. ويوم الرضا

27. ويوم عيد أهل البيت

28. ويوم ظفرت به بنو إسرائيل

29. ويوم يقبل الله أعمال الشيعة

30. ويوم تقديم الصدقة

31. ويوم طلب الزيادة

32. ويوم قتل المنافق

33. ويوم الوقت المعلوم

34. ويوم سرور أهل البيت

35. ويوم الشاهد

36. ويوم المشهود

37. ويوم يعض الظالم على يديه

38. ويوم القهر على العدو

39. ويوم هدم الضلالة

40. ويوم التنبيه

41. ويوم التصريد

42. ويوم الشهادة

43. ويوم التجاوز عن المؤمنين

44. ويوم الزهرة

45. ويوم العذوبة

46. ويوم المستطاب به

47. ويوم ذهاب سلطان المنافق

48. ويوم التسديد

49. ويوم يستريح فيه المؤمن

50. ويوم المباهلة

51. ويوم المفاخرة

52. ويوم قبول الأعمال

53. ويوم التبجيل

54. ويوم إذاعة السر

55. ويوم نصر المظلوم

56. ويوم الزيارة

57. ويوم التودد

58. ويوم التحبب

59. ويوم الوصول

60. ويوم التزكية

61. ويوم كشف البدع

62. ويوم الزهد في الكبائر

63. ويوم التزاور

64. ويوم الموعظة

65. ويوم العبادة

66. ويوم الإسلام

67. ويوم انتصار الشيعة

68. ويوم الفتح

69. ويوم نفي الهموم

70. ويوم النحيل

71. ويوم النحيلة

72. ويوم الشكر

​قال حذيفة: فقمت من عنده ـ يعني أمير المؤمنين ـ وقلت في نفسي: لو لم أدرك من أفعال الخير وما أرجو به الثواب إلا فضل هذا اليوم لكان مناي.

قال محمد بن العلاء الهمداني ويحيى بن محمد بن جريح: فقام كل واحد منا وقبل رأس أحمد بن إسحاق بن سعد القمي، وقلنا: الحمد لله الذي قيضك لنا حتى شرفتنا بفضل هذا اليوم، ورجعنا عنه، وتعيدنا في ذلك اليوم (6). (6) بحار الأنوار 31 : 120 نقلًا عن المحتضر، وفي 95 : 351 نقلًا عن المحتضر.

​مصادر الرواية

أقدم مصدر لهذه الرواية على ما نعلم هو كتاب (دلائل الإمامة) للمحدث الجليل محمد بن جرير الطبري، المعاصر للشيخ الطوسي، من علماء الإمامية في القرن الخامس، حيث رواها مسنداً في الفصل المتعلق بأمير المؤمنين.

ورواها مسنداً الفاضل المحدث الشيخ هاشم بن محمد من علماء القرن السادس في كتابه (مصباح الأنوار)، الذي ذكر المجلسي في حقه أنه يروي من الأصول المعتبرة من الخاصة والعامة، على ما نقله عنهما المحدث الجليل السيد نعمة الله الجزائري في كتاب (الأنوار النعمانية) (7). (7) صفحة 40.

​ونص سند (دلائل الإمامة) قال: أخبرنا السيد أبو البركات بن محمد الجرجاني هبة الله القمي، واسمه يحيى، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق بن محمد البغدادي، قال: حدثنا الحسن بن الحسن السامري، قال: كنت أنا ويحيى بن جريح البغدادي فقصدنا أحمد بن إسحاق القمي صاحب الإمام أبي محمد العسكري بمدينة قم..)، وساق الحديث.

​ونص سند (مصباح الأنوار) قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد القمي بالكوفة، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن جعدويه القزويني، وكان شيخاً صالحاً زاهداً سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة صاعداً إلى الحج، قال: حدثني محمد بن علي القزويني، قال: حدثنا الحسن بن الحسن الخالدي بمشهد أبي الحسن الرضا، قال: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني الواسطي ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا: تنازعنا في أمر أبي الخطاب محمد بن أبي زينب واشتبه علينا أمره..)، وساق الحديث.

​ورواها السيد رضي الدين علي بن علي بن طاووس، نجل السيد ابن طاووس صاحب المؤلفات المشهورة كـ (الإقبال) وغيره، في كتابه (زوائد الفوائد) مرسلاً، حيث قال: «روى ابن أبي العلاء الهمداني الواسطي ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا:..»، وساق الحديث (8). (8) مستدرك الوسائل 2 : 522، نقلًا زوائد الفوائد.

​ورواها الشيخ الجليل الحسن بن سليمان الحلي، من علماء القرن التاسع وتلميذ الشهيد الأول، في كتاب (المحتضر) (9)، قال: «ومما جاء في عمر بن الخطاب أنه كان منافقاً ما نقله الشيخ الفاضل علي بن مظاهر الواسطي عن محمد بن العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن جريح البغدادي، قالا:…»، وساق الحديث. (9) صفحة 44.

​ورواها مؤلف كتاب (عقد الدرر في تاريخ وفاة عمر) ويسمى (الحديقة الناضرة)، نقل الرواية عن خط الشيخ علي بن مظاهر الواسطي، واحتمل الشيخ الطهراني في الذريعة أن يكون مؤلفه الشيخ حسن بن سليمان الحلي صاحب كتابي (مختصر البصائر) و(المحتضر).

​ورواها الشيخ زين الدين علي بن مظاهر الحلي في كتابه (مقتل عمر)، قال في الذريعة: ذكره سيدنا الصدر، ومر في عقد الدرر، (15 : 289) رواية الشيخ حسن الحلي عن علي بن مظاهر الواسطي، فلعله روى مقتله هذا، فراجعه.

وينقل عن هذا المقتل السيد هاشم التوبلي صاحب (مقتل أبي عبد الله) في بعض كتبه.

​ورواها العلامة المتبحر المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) تارة نقلاً عن كتاب (المحتضر) حيث ذكرها في كتاب (الفتن والمحن) (31 : 120) قائلاً: «قال الشيخ حسن: نقلته من خط الشيخ الفقيه علي بن مظاهر الواسطي، بإسناد متصل عن محمد بن العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا:…»، وساق الحديث، وأخرى عن كتاب (زوائد الفوائد) حيث ذكرها في كتاب الدعاء (95 : 351) قائلاً: «روى ابن أبي العلاء الهمداني الواسطي ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا:..»، وساق الحديث.

​كما أنه ذكرها في كتابه (زاد المعاد) الذي كتبه بالفارسية لعمل المؤمنين، ورتب عليها الأثر.

وألف رسالة مستقلة في مقتل عمر بالفارسية وضمنها الرواية المذكورة، وقد طبعت مؤخراً.

​ورواها السيد مرتضى بن داود الحسيني المعاصر للمجلسي الثاني في كتابه (عقد الدرر في تاريخ قتل عمر).

ورواها أبو الفتح محمد بن محمد جعفر الحسني الحائري في (يوم وفاة عمر)، يرويه عن عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري.

وغيرهم ممن ألفوا الكتب والرسائل في تعيين مقتل عمر بن الخطاب في يوم التاسع من ربيع الأول.

وفي كل هذه الكتب له إصرار على ترجيح هذه الرواية على الروايات العامية التي اعتمد عليها بعض علمائنا، وذكر مرجحاتها، وأجاب عما يمكن أن يورد عليها من الإشكال.

​اعتبار رواية أحمد بن إسحاق

لا يخفى أنه ليس مرادنا من اعتبار الرواية إثبات صحتها بالمعنى المصطلح عند المتأخرين، وذلك لجهالة كل من محمد بن أبي العلاء ويحيى بن جريح الواسطي الراويين عن أحمد بن إسحاق القمي، بل مرادنا إثبات كونها موثوقة ومما تطمئن النفس بصدورها عن أهل بيت العصمة والطهارة، وبعبارة أخرى: كونها صحيحة بالمعنى المصطلح للصحة عند متقدمي أصحابنا.

​وإنما غرضنا هنا أن نذكر وجهاً آخر من وجوه تصحيح هذه الرواية أشار إليه خرّيت صناعتي الحديث والرجال الميرزا حسين النوري في مستدركه، وهو: أنه نقل العلامة الشيخ الكفعمي عن كتاب (مسار الشيعة) للشيخ المفيد قوله: «… أنه من أنفق في اليوم التاسع منه ـ ربيع الأول ـ شيئاً غفر له، ويستحب فيه إطعام الإخوان وتطييبهم والتوسعة في النفقة ولبس الجديد والشكر والعبادة وهو يوم نفي الهموم، وروي أنه ليس فيه صوم..» (10). (10) بحار الأنوار 31 : 119.

​والملفت للنظر أن الشيخ المفيد قد ذكر في كلامه هذا عين العبارات الواردة في رواية أحمد بن إسحاق الآتية الذكر من مستحبات يوم التاسع من ربيع الأول، مما يدل على أنه استند إلى هذه الرواية في مقام الحكم باستحباب هذه الأمور في هذا اليوم.

ولا نريد أن نستدل بذلك على كون الرواية معتبرة بنظره؛ لاحتمال كون مستنده في ذلك قاعدة التسامح في أدلة السنن التي نسب القول بها إلى المشهور.

​ولكن في (مستدرك الوسائل) نقل عن المفيد في (مسار الشيعة) قوله: «… وفي اليوم التاسع منه ـ يعني ربيع الأول ـ يوم العيد الكبير، وله شرح كبير في غير هذا الموضع، وعيَّد فيه النبي وأمر الناس أن يُعيدوا فيه ويتخذ فيه المريس»، ثم عقبه بقوله: «وفيه إشارة إلى اعتبار الخبر المذكور» (11). (11) المستدرك 2 : 522.

وهو في محله؛ إذ استناد الشيخ المفيد إلى هذه الرواية في مقام الحكم بكون هذا اليوم ـ يوم التاسع من الربيع ـ عيداً لتعييد النبي فيه وأمره بالتعييد فيه يدلُّ على قبوله لها وكونها معتبرة بنظره، ولما كان من المعلوم أنه لا يرى حجية أخبار الآحاد ولا يعمل إلا بالخبر العلمي، فاعتبار الخبر بنظره مساوق لكونه مما يُعلم بصدوره عن المعصوم عنده، غاية الأمر أنه لم يلتزم بخصوص الفقرات المصرحة بكون موت عمر قد وقع في هذا اليوم ـ التاسع من الربيع ـ لا لقصور الخبر وعدم قيام الحجة به عنده، بل لتوهم معارضة خصوص هذه الفقرات من الرواية بما هو أقوى منها، ألا وهو إجماع أهل السير والتواريخ على كون القتل قد وقع في الآخر من ذي الحجة، وسيبين بيان كون ذلك أكذوبة متقنة وكبيرة من العامة انخدع بها بعض علمائنا.

​واحتمال كون مستنده في ذلك هو قاعدة التسامح في أدلة السنن لا يرد هنا كما ورد في كلامه السابق؛ إذ لم يحكم هنا باستحباب التعييد والقيام بأعمال معينة حتى يُقال بأن مستنده في الحكم بذلك هو القاعدة المذكورة، بل أثبت كون يوم التاسع عيداً وأن النبي عيَّد فيه وأمر بالتعييد فيه، وهذه الأمور من الوقائع الخارجية التي تحتاج في ثبوتها إلى العلم واليقين وليست من السنن حتى تشملها قاعدة التسامح.

​وإذا كانت الرواية مقطوعة الصدور عند مثل الشيخ المفيد، فإن هذا يورثنا على أقل تقدير الوثوق والاطمئنان بصدورها، سيما بملاحظة قرب عهد المفيد ـ قُدّس سره ـ من زمن الإمام الهادي الذي روي عنه الخبر المذكور.

​الدليل الثالث: رواية الشيخ الصدوق (قدس سره)

قال السيد علي بن طاووس (رحمه الله) في كتاب (الإقبال) بعد ذكر اليوم التاسع من ربيع الأول: «.. واعلم أن هذا اليوم وجدنا فيه رواية عظيمة الشأن، ووجدنا جماعة من العجم والإخوان يُعظِّمون السرور فيه، ويذكرون أنه يوم هلاك بعض من كان يهون بالله جل جلاله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ويعاديه.

ولم أجد فيما تصفحت من الكتب إلى الآن موافقة أعتمد عليها للرواية التي رويناها عن ابن بابويه تغمده الله بالرضوان، فإن أراد أحد تعظيمه مطلقاً لسر يكون في مطاويه غير الوجه الذي ظهر فيه احتياطاً للرواية، فكذا عادة ذوي الرعاية..»(12). (12) إقبال الأعمال 3 : 113.

أقول: مراده من قوله: (وجدنا فيه رواية عظيمة الشأن) رواية الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام) كما صرَّح به في كلامه الآتي.

وأما قوله: (ولم أجد .. احتياطاً للرواية) فهو إنما يصح فيما لو كان الرأي المقابل عليه أدلة قوية، إلا أنها لا تصل إلى حد القطع واليقين، وكنا نريد أن نتركها ونحتاط لأجل هذه الرواية الشيعية.

ولكنا قد أشرنا إلى أن هذه الرواية ونظائرها أقوى ما يوجد في المسألة، وليس في مقابلها رواية حسنة ولا موثقة، فضلاً عن الصحيحة، وإنما الموجود روايات قطعية الضعف مخالفة للمشهور بين الشيعة قولاً وعملاً، منقولة من كتب أعداء أهل البيت (عليه السلام) وأتباع عمر.

فالتردد في تقديم رواية الصدوق (عليه السلام) على تلك الروايات الواهية عجيب، وأعجب منه تقديم تلك الروايات عليها كما فعل ابن طاووس (رحمه الله)، فإن في تأويله لرواية الصدوق (عليه السلام) بخلاف ظاهرها ـ بل صريحها كما ستعرف ـ طرحاً لها في قبال روايات العامة، كما لا يخفى.

تأويل السيد ابن طاووس (رحمه الله)

حاول السيد ابن طاووس (عليه السلام) تأويل الرواية بما يتناسب مع ما ادعته العامة من أن موت ابن الخطاب كان في آخر ذي الحجة، فقال: «.. وإن كان يمكن أن يكون تأويل ما رواه أبو جعفر بن بابويه، في أن قتل من ذكر كان يوم تاسع ربيع، لعل معناه أن السبب الذي اقتضى القتل على قَتْلِ من قَتَلَ كان ذلك السبب يوم تاسع ربيع الأول، فيكون اليوم الذي فيه سبب القتل أصل القتل، ويمكن أن يسمى مجازاً بالقتل.

ويمكن أن يُؤولَ بتأويل آخر، وهو أن يكون توجّهُ القاتل من بلده إلى البلد الذي وقع القتل فيه يومَ تاسع ربيع الأول، أو يومَ وصول القاتل إلى المدينة التي وقع فيها القتل كان يومَ تاسع ربيع الأول.

وأما تأويل من تأول أن الخبر بالقتل وصل إلى بلد أبي جعفر بن بابويه يوم تاسع ربيع الأول فلا يصح، لأن الحديث الذي رواه ابن بابويه عن الصادق (عليه السلام) تضمن أن القتل كان في يوم تاسع ربيع الأول فكيف يصح تأويل أنه يوم بلغ الخبر إليه».

وعقَّب العلامة المجلسي (رحمه الله) على كلام السيد ابن طاووس (رحمه الله)

بقوله: «.. ويظهر منه ورود رواية أخرى عن الصادق (عليه السلام) بهذا المضمون رواها الصدوق (عليه السلام).»(13). (13) بحار الأنوار 31: 132.

أقول: صرَّح السيد ابن طاووس بوجود رواية للصدوق (عليه السلام) في قتل عمر في التاسع من الربيع أولاً بقوله: «.. وجدنا فيه رواية عظيمة الشأن.. ولم أجد فيما تصفحت من الكتب إلى الآن موافقة أعتمد عليها للرواية التي رويناها عن ابن بابويه تغمده الله بالرضوان..»، وثانياً بقوله: «.. وإن كان يمكن أن يكون تأويل ما رواه أبو جعفر بن بابويه، في أن قتل من ذكر كان يوم تاسع ربيع..».

ثم صرَّح بكون رواية الصدوق (عليه السلام) هذه مرويَّةً عن الصادق (عليه السلام) بقوله: «.. لأن الحديث الذي رواه ابن بابويه عن الصادق (عليه السلام) تضمن أن القتل كان في يوم تاسع ربيع الأول..».

فتكون رواية الصدوق (عليه السلام) هذه رواية مؤيدة لرواية أحمد بن إسحاق القمي (رحمه الله)، لأن رواية أحمد بن إسحاق (رحمه الله) كانت عن الإمام الهادي (عليه السلام) لا عن الإمام الصادق (عليه السلام)، فهما إذن روايتان لا رواية واحدة.

الجواب عن تأويلات ابن طاووس (رحمه الله)

أما تأويله (رحمه الله) الخبر بما ذكره من أن المراد من (القتل) فيما تضمنته الرواية من كون قتل عمر وقع في تاسع ربيع الأول هو عزم القاتل على القتل، أو توجهه من بلده، أو وصوله إلى المدينة على نحو المجاز، ففيه: أنا لم نجد في الاستعمالات العربية ما يوافق هذا التأويل، ولم نسمع بمن يسمي عزم القاتل أو حركة القاتل من بلده أو وصوله إلى بلد القتل قتلاً، ويا ليته (رحمه الله) جاء لكل واحد من هذه الاحتمالات بشاهد واحد من كلام العرب على الأقل.

وحيث إنه لم يأت ـ ولن يأت هو ولا غيره ـ بشاهد واحد، فيكون ما ذكره اجتهاداً في قبال السَّماع أو استحسناً لغوياً، وهو باطل بالاتفاق.

منشأ الاشتباه في تأويل ابن طاووس (رحمه الله)

وقد اشتبه السيد ابن طاووس (رحمه الله) فيما ذكره من تأويل لهذا الخبر، حيث خلط بين التجوز في الكلمة والتجوز في الإسناد.

فإنه وإن صحَّ إسناد القتل إلى اليوم الذي تحققت فيه الأمور المذكورة على نحو التجوز في الإسناد، من باب أن تحقق هذه المقدمات يُشرف بالقتل على التحقق فصار تحققها كأنه تحقق له، إلا أنه لا يصح إطلاق القتل على العزم عليه أو التوجه إلى بلد المقتول أو الوصول إليه حتى مجازاً، بل يُعدّ ذلك غلطاً فاحشاً.

ففرق بين أن نسند القتل بما له من معنى حقيقي إلى تاريخ تحقق مقدمته ـ كانطلاق القاتل من بلده مثلاً ـ لا تاريخ حصوله الواقعي على نحو التجوز في الإسناد، وبين أن نُسند مقدمة القتل ـ كانطلاق القاتل من بلده مثلاً ـ إلى تاريخ حصولها الواقعي فيكون الإسناد حقيقياً ولكن نعبر عن المقدمة مجازاً بالقتل.

وظاهر قول ابن طاووس (رحمه الله): «فيكون اليوم الذي فيه سبب القتل أصل القتل ويمكن أن يسمى مجازاً بالقتل» هو الثاني، وقد عرفت ما فيه.

تأويل بلا دليل

ولو تنزلنا عما ذكرناه فنقول: إن حمل الكلام على هذا النحو من التجوز يحتاج إلى قرينة تدلُّ على ذلك، وليست موجودة في المقام.

فمثلاً في قولنا (قُتل الحسين (عليه السلام) في يوم السقيفة)، معلومية تاريخ واقعة كربلاء وكونها من الوضوح بمكان، والعناية الشديدة من أئمتنا (عليهم السلام) بإرجاع جميع المصائب والجنايات التي نزلت بالإسلام وبأهل البيت (عليهم السلام) إلى ذلك اليوم المشؤوم، يوجبان صرف الكلام عن ظاهره وحمله على الأساس الذي أدى إلى استشهاد الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) في كربلاء؛ إذ أُسس في يوم السقيفة.

وفيما نحن فيه ليس الأمر كذلك، إذ لا وجه لصرف هذا الخبر عن ظاهره وتأويله بهذه المحامل البعيدة، إلا توهم ابن طاووس (رحمه الله) لكون قتل عمر قد وقع في الآخر من ذي الحجة كما تقول به العامة العمياء.

وذلك أنه (رحمه الله) لما أكثر من الاعتماد على كتب العامة ورواياتهم ـ كما يظهر من مراجعة كتبه ـ استبعد تقديم رواية واحدة للصدوق (رحمه الله) ـ وإن كانت الرواية الوحيدة عنده بسند شيعي وموافقة للمشهور بين الشيعة ـ على الروايات المخالفة لها والمروية عند العامة ـ وستعرف حالها فيما يأتي ـ فاضطر إلى حمل الرواية على مثل هذه المحامل الباطلة أو البعيدة في نفسها (14)، فضلاً عن أنها لا دليل على حمل الكلام عليها.

(14) فالمحتملان الأخيران ـ وهما كون التاسع من الربيع تاريخاً لتحرّك أبي لؤلؤة من بلده أو وصوله إلى المدينة ـ معلومان البطلان لضرورة اتفاق أهل السير والتواريخ على أنه لم يسافر من بلده ويقدم المدينة بنية القتل، وأنه إنما أُسر ثم استقدم إلى المدينة ليستفيدوا من حرفه، وأما المحتمل الأخير ـ وهو تسمية عزمه على القتل قتلاً ـ فيكفي في بطلانه ما هو معلوم عندهم أيضاً من أنه لم يكن بين توعّد أبي لؤلؤة لعمر وقتله له بضعة أيام، مع أن الفاصل بين التاسع من الربيع وآخر ذي الحجة عشرة أشهر تقريباً.

الدليل الرابع: الروايات التي أشار إليها في زوائد الفوائد

​قال نجل السيد ابن طاووس معلقاً على رواية ابن إسحاق: «ووجدنا فيما تصفحنا من الكتب عدة روايات موافقة لها، فاعتمدنا عليها فينبغي تعظيم هذا اليوم المشار إليه وإظهار السرور فيه مطلقاً لسر يكون في مطاویه على الوجه الذي ظهر احتياطاً للروايات»(15). (15) بحار الأنوار 95 : 351.

​أقول: قوله (ووجدنا.. إلخ) صريح في وجود عدة روايات غير رواية ابن إسحاق تدل على وقوع قتل عمر في التاسع من ربيع الأول.

​وبما أن أقل العدة ثلاثة، فلو كانت إحدى تلك الروايات هي رواية الشيخ الصدوق عن الصادق التي أشار إليها والدُهُ في كتاب (إقبال الأعمال) لبقي ـ على الأقل ـ روايتان أُخريان في البين.

​وعليه، يكون مجموع الروايات الواردة في كون قتل عمر في تاسع ربيع الأول أربع روايات على الأقل، إحداها عن الإمام الهادي وهي التي وصلتنا عبر أحمد بن إسحاق القمي، والثانية عن الإمام الصادق وهي التي أشار السيد ابن طاووس إلى رواية الصدوق لها، ولم تصل إلينا، شأنها في ذلك شأن الروايات الأخرى التي هي اثنتان على أقل تقدير، والتي أشار نجله إلى وجودها من دون أن ينقلها لنا.

حديث التابوت في قعر جهنم

​قال السيد هاشم البحراني في كتابه (مدينة المعاجز): «وروي في حديث وفاة عمر بن الخطاب، عن ابن عباس وكعب الأحبار، والحديث طويل، وفيه: أنه قال عبد الله بن عمر: ولما دنت وفاة أبي كان يغشى عليه تارة ويفيق أخرى، فلما أفاق قال: يا بني أدركني بعلي بن أبي طالب قبل الموت، فقلت: وما تصنع بعلي بن أبي طالب، وقد جعلتها شورى، وأشركت معه غيره؟

​قال: يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن في النار تابوتاً يحُشر فيه اثنا عشر رجلاً من أصحابي، ثم التفت إلى أبي بكر، وقال: احذر أن تكون أولهم، ثم التفت إلى معاذ بن جبل، وقال: إياك يا معاذ أن تكون الثاني، ثم التفت إليَّ ثم قال: يا عمر إياك أن تكون الثالث.

​وقد أغمي علي يا بني الساعة، ورأيت التابوت وليس فيه إلا أبو بكر ومعاذ بن جبل وأنا الثالث لا أشك فيه.

​قال عبد الله: فمضيت إلى علي بن أبي طالب وقلت: يا ابن عم رسول الله، إن أبي يدعوك لأمر قد أحزنه، فقام علي معه، فلما دخل عليه قال له: يا ابن عم رسول الله، ألا تعفو عني وتحللني منك، وعن زوجتك فاطمة، وأسلم إليك الخلافة؟

​فقال له علي: نعم، غير أنك تجمع المهاجرين والأنصار، وأعطِ الحق الذي خرجتَ عليه مِنْ مَلَكَة، وما كان بينك وبين صاحبك من معاهدتنا، وأقرَّ لنا بحقنا، وأعفُ عنك، وأُحَلِّلُك، وأضمن لك عن ابنة عمي فاطمة.

​قال عبد الله: فلما سمع ذلك أبي حوَّل وجهه إلى الحائط، وقال: النار يا أمير المؤمنين ولا العار، فقام علي صلوات الله عليه وخرج من عنده.

​فقال له ابنه: لقد أنصفك الرجل يا أبت، فقال له: يا بني إنه أراد أن ينشر أبا بكر من قبره، ويضرم له ولأبيك النار، وتصبح قريش موالين لعلي بن أبي طالب، والله لا كان ذلك أبداً.

​قال: ثم إن علياً قال لعبد الله بن عمر: ناشدتك بالله يا عبد الله بن عمر، ما قال لك حين خرجت من عنده؟

​قال: أما إذا ناشدتني وما قال لي بعدك، فإنه قال: إن بايعوا أصلح بني هاشم حملهم على المحجة البيضاء، وأقامهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم.

​ثم قال: يا بن عمر، فما قلت أنت ذلك؟

​قال: قلت له: فما يمنعك ـ يا أبه ـ أن تستخلفه؟

​قال: فما رد عليك؟

​قال: ردَّ عليَّ شيئاً أكتمه.

​قال: فإن رسول الله أخبرني بكل ما قال لك وقلت له.

​قال: ومتى أخبرك؟

​قال: أخبرني في حياته، ثم أخبرني به ليلة مات أبوك في منامي، ومن رأى رسول الله في المنام فقد رآه في اليقظة.

​قال له ابن عمر: فما أخبرك؟

​قال: أنشدك الله يا ابن عمر، لئن حدثتك به لتصدقني؟ قال: أو أسكت.

​قال: فإنه قد قال لك ـ حين قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه ـ قال: الصحيفة التي كتبناها بيننا، والعهد الذي تعاهدنا عليه في الكعبة في حجة الوداع.

​فسكت ابن عمر، فقال: أسألك بحق رسول الله لما أمسكت عني.

​قال سليم: فلقد رأيت ابن عمر في ذلك المجلس وقد خنقته العبرة وعيناه تسيلان دموعاً، ثم إن عمر تأوه ساعة ومات آخر ليلة التاسع من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وقيل: لأربع بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة، والأول أصح..»(16). (16) مدينة المعاجز 2 : 95، وكتاب سليم بن قيس الهلالي: 205 – 206.

أقول: والظاهر أن جملة (ثم إن عمر تأوه ساعة ومات آخر ليلة التاسع من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين من الهجرة) من تمام كلام سليم بن قيس الهلالي أو من كلام ابن عباس وكعب الأحبار.

وعليه، تكون هذه رواية أخرى دالة على وقوع القتل في التاسع من ربيع الأول؛ وذلك لأن الروايات السابقة كانت بأسانيد شيعية مروية إما عن الإمام الصادق (عليه السلام) كما في رواية الشيخ الصدوق، وإما عن الإمام علي بن محمد العسكري (عليه السلام) كما في رواية أحمد بن إسحاق، أو لم يكن المروي عنه مذكوراً ولكن كان مضمونها غير منطبق على ما في هذه الرواية، كما في الروايات التي أشار إليها نجل السيد ابن طاووس.

وأما هذه الرواية فقد رويت عن ابن عباس وكعب الأحبار أو سليم كما عرفت، واشتمالها على وقوع القتل في التاسع من ربيع يجعلها رواية مستقلة مغايرة للروايات السابقة.

ويحتمل أن تكون هذه العبارة من كلام السيد البحراني نفسه، وحينئذ يكون هو من رجّح رواية تاسع ربيع على رواية آخر ذي الحجة، وهو خرّيت صناعة الحديث وابن بجدتها، وكفى به موفقاً لنا فيما ذهبنا إليه من تاريخ قتل عمر.

وعلى هذا، يحتمل أن يكون ترجيحه للتاسع من ربيع مستنداً إلى رواية مستقلة عن سابقاتها لم ينقلها بل اكتفى بالإشارة إليها، كما يحتمل أن يكون مستنداً إلى إحدى الروايات السابقة.

وأما قوله: «وقيل.. والأول أصح»، فالظاهر أنه من كلام السيد البحراني نفسه.

الدليل الخامس: تفاصيل مصادر العامة تكذب إجمالها و(الإجماع المركب)

هذا الدليل يعتمد على مصادر القوم، بل على أهم مصادرهم، وبه يتحقق ما وعدنا به في مقدمة الكتاب من وجود شواهد قطعية في كتبهم وأقوالهم تشهد بتكذيب رواتهم واختلاق رواياتهم، التي جُندت لها الجنود ومُهّدت لها المقدمات الطويلة العريضة وصرفت كل الطاقات، وحرفت كثيراً من الحقائق التاريخية لأجل تبديل تاريخ قتل عمر من الربيع إلى ذي الحجة.

وقد مرَّت الإشارة -وستأتي- إلى سبب اهتمامهم بترويج رواية آخر ذي الحجة الموضوعة، وعلة محاربتهم لكون القتل وقع في التاسع من ربيع الأول.

كما أن هذا الدليل سيُثبت به صحّة ما اشتهر بين الشيعة -أعزهم الله تعالى- على مرِّ العصور من أن موت عمر كان في ربيع الأول، فينقضّ السحر على الساحر، ويصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (17). (17) البقرة: آية 9.

بيان هذا الدليل على نحو الإجمال

أن المؤرِّخين وأصحاب السيَرِ من الخاصة والعامة اتفقوا على أن شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت في الأخير من صفر أو الأول من ربيع الأول، كما اتفقوا أيضاً على أن مدة حكومة أبي بكر وعمر لم تكن أقل من ثلاث عشرة سنة.

ولازم هذين الأمرين أن يكون موت عمر -على أقل تقادير مدة حكومة شيخيهما- غير واقع في ذي الحجة كما زعمته العامة، فيتعيّن كونه واقعاً في التاسع من ربيع كما هو المشهور بين الشيعة -أعزهم الله- إذ لا قول ثالث في البين.

تفصيل الدليل يتوقف على تمهيد مقدّمات

الأولى: تاريخ شهادة النبي (صلى الله عليه وآله)

المتفق عليه بين المؤرِّخين المعتبرين أن شهادة النبي (صلى الله عليه وآله) كانت في أواخر شهر صفر أو أوائل شهر ربيع الأول.

فالمشهور بين الشيعة والذي عليه معظم الأصحاب أنه (صلى الله عليه وآله) قُبض يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر صفر.

وقد صرَّح بذلك زعيم الطائفة الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) في (الإرشاد 1 : 189) ، وشيخها الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) في (تهذيب الأحكام 6 : 2) ، والشيخ الحافظ أبو علي النيسابوري (رحمه الله) في (روضة الواعظين : 71) ، وأمين الإسلام الطبرسي (رحمه الله) في (إعلام الورى 1 : 46) ، والشيخ الفقيه قطب الدين الراوندي (رحمه الله) في (قصص الأنبياء : 357) ، والعلامة الإربلي (رحمه الله) في (كشف الغمة في معرفة الأئمة 1 : 16) ، وغيرهم كثير.

وقال العلامة المتتبع الشيخ المجلسي (رحمه الله) -بعد ما نقل كون شهادة النبي (صلى الله عليه وآله) في الثامن والعشرين من شهر صفر-: «هذا هو الموافق لما ذكره أكثر الإمامية»(18)، إشارة منه إلى كون هذا الرأي هو المشهور بين الشيعة. (18) بحار الأنوار 22 : 51

وقال ابن أبي الحديد المعْتزلي -وهو من مكرَة القوم وشياطينهم-: «ثم مات (صلى الله عليه وآله)، فمن قائل يقول: إنه توفي لليلتين بقيتا من صفر، وهو القول الذي تقوله الشيعة..»(19)، فنسب هذا القول إلى عامة الشيعة، إشارة إلى كون ذلك هو المشهور بينهم. (19) شرح نهج البلاغة 10 : 184.

أقول: العمل عند الشيعة منذ القدم وإلى يومنا هذا على طبق هذه الرواية.

وأما ما عليه أبناء العامة، فما بين قائل بأنَّ اليوم الذي قُبضَ فيه (صلى الله عليه وآله) هو الأول من ربيع الأول، وقائل إنه الثاني منه، وقائل بأنه الثاني عشر منه، ومقتضى التحقيق لديهم هو القول الثاني.

قال إمامهم وشيخهم ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري: «ثم عند ابن إسحاق والجمهور أنها في الثاني عشر منه، وعند موسى بن عقبة والليث والخوارزمي وابن زبير مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه ورجحه السهيلي..».

وقد استشكل في ذلك السهيلي ومن تبعه، أعني كونه مات يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول، وذلك أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس، فمهما فرضت الشهور الثلاثة توأم أو نواقص أو بعضها ـ أي بعضها تام وبعضها ناقص ـ لم يصح، وهو ظاهر لمن تأمله.

وقد جزم سليمان التيمي، أحد الثقات، بأن ابتداء مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.

فالمعتمد ما قال أبو مخنف»(20). (20) فتح الباري 8 : 98 – 99.

وقال إمامهم الحافظ إسماعيل بن كثير في كتابه (البداية والنهاية): «وقال سعد بن إبراهيم الزهري: توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة، رواه ابن عساكر. ورواه الواقدي عن أبي معشر عن محمد بن قيس مثله سواء، وقاله خليفة بن خياط أيضاً.

وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين مستهل ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مقدمه المدينة، ورواه ابن عساكر أيضاً.

وقد تقدم قريباً عن عروة وموسى بن عقبة والزهري مثله فيما نقلناه عن مغازيهما، فالله أعلم»(21). (21) البداية والنهاية 5: 276.

وقال أيضاً في كتابه (السيرة النبوية): «وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أحمد بن كامل، الحسين بن علي البزاز، حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه ـ وهو سليمان بن طرخان التيمي ـ في كتاب المغازي، قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرض لاثنين وعشرين لليلة من صفر، وبدأه وجعه عند وليدة له يقال لها ريحانة كانت من سبي اليهود، وكان أولُ يوم مرض يوم السبت، وكانت وفاته (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه (صلى الله عليه وآله) المدينة»(22). (22) السيرة النبوية 4: 506.

وقال أيضاً: «قال أبو القاسم السهيلي في الروض مأموناً: لا يتصور وقوع وفاته (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة؛ وذلك لأنه (صلى الله عليه وآله) وقف في حجة الوداع سنة عشر يوم الجمعة، فكان أول ذي الحجة يوم الخميس، فعلى تقدير أن تحسب الشهور تامة أو ناقصة أو بعضها تام وبعضها ناقص، لا يتصور أن يكون يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وقد اشتهر هذا الإيراد على هذا القول»(23). (23) السيرة النبوية 4: 509.

أقول: لقد حل هذا الإشكال إمامهم وشيخهم ابن حجر العسقلاني بقوله: «وكأن سبب غلط غيره ـ أي غير أبي مخنف ـ أنهم قالوا مات في ثاني شهر ربيع الأول فتغيرت ـ أي صحفت كلمة (شهر) بـ (عشر) ـ فصارت ثاني عشر، واستمر الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضاً من غير تأمل، والله أعلم»(24). (24) فتح الباري 8: 98 – 99.

فتحصَّل: أن المشهور عند الشيعة ـ أعزهم الله ـ أن وفاته (صلى الله عليه وآله) كانت لليلتين بقيتا من صفر، وأما العامة فالتحقيق عندهم أنها كانت لليلتين خلتا من ربيع الأول.

الثانية: مدة حكومة أبي بكر

١- قال شيخ بخاريّهم ابن أبي شيبة الكوفي (ت 235 هـ) في كتابه (المصنَّف): «.. وولي أبو بكر.. سنتين ونصفاً..»(25). (25) المصنف لابن أبي شيبة الكوفي 8: 51.

٢- وقال ثقتهم ومعتمدُهم البخاري (ت 256 هـ) في كتابه (التاريخ الصغير): «حدثني محمود، حدثنا وهب، حدثنا أبي قال: سمعت قتادة: ولي أبو بكر سنتين وستة أشهر»(26). (26) التاريخ الصغير 1: 118.

٣- وقال الطبراني (ت 360 هـ) في كتابه (المعجم الكبير): «حدثنا علي بن عثمان بن صالح، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة.. قالت: .. توفي أبو بكر.. وهو ابن ثلاث وستين، لسنتين ونصف التي عاش بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(27). (27) المعجم الكبير للطبراني 1: 58.

وأورده الهيثمي في مجمعه معلّقاً: «رواه الطبراني وإسناده حسن»(28). (28) مجمع الزوائد للهيثمي 9: 60.

٤- وقال الطبراني أيضاً: «حدثّنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الهيثم بن عمران قال: سمعت جدي يقول: توفي أبو بكر.. وبه طرف من السلّ، وولي سنتين ونصفاً»(29). (29) المعجم الكبير للطبراني 1: 61.

وأورده الهيثمي كذلك معلّقاً: «رواه الطبراني ورجاله ثقات»(30). (30) مجمع الزوائد للهيثمي 9: 60.

٥- وقال مؤرِّخهم المعروف ابن عساكر (ت 571 هـ) في كتابه (تاريخ مدينة دمشق): «أخبرنا أبو البركات الأنماطي، أخبرنا أبو الفضل أحمد بن الحسن، أنبأنا أبو القاسم بن بشران، أخبرنا أبو علي بن الصواف، أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا أبي وعمي أبو بكر قال: ولي أبو بكر.. سنتين ونصف..»(31). (31) تاريخ مدينة دمشق 30: 475.

٦- وفيه أيضاً: «أخبرنا ابن أبي الدنيا، أخبرنا أبو بكر بن منصور، أخبرنا محمد بن وهب الدمشقي، أخبرنا الهيثم بن عمران، حدثني جدي قالوا: ولي أبو بكر سنتين ونصف»(32). (32) المصدر السابق.

7 – وفيه أيضاً: «أخبرتنا أم البهاء العلويّة بنت محمد، أخبرنا أحمد بن محمود، أخبرنا أبو بكر بن المقرئ، أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد، أخبرنا عبد الله بن سعد، أخبرنا أحمد بن كثير، أخبرنا إبراهيم بن خالد، أخبرني أمية بن شبل وغيره قالوا: ولي أبو بكر سنتين ونصف»(33). (33) تاريخ مدينة دمشق 30: 458.

8 – وقال شيخهم ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) في كتابه (تهذيب التهذيب): «وحكومة أبي بكر سنتين ونصف»(34). (34) تهذيب التهذيب 7: 166.

أقول: فهذه روايات القوم وأقوال أئمتهم ومؤرخيهم صريحة في أن مدة حكومة أبي بكر كانت سنتين وستة أشهر.

الثالثة: مدة حكومة عمر بن الخطاب

1 – روى شيخهم وثقتهم وشيخ بخاريّهم خليفة بن خياط (ت 240 هـ) في تاريخه قال: «حدثنا من سمع ابن عيينة عن الزهري قال: .. صلّى عليه ـ أي على عمر ـ صهيب بن سنان بين القبر والمنبر، وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وخمسة أيام أو تسعة»(35). (35) تاريخ خليفة بن خياط: 110.

2 – وروى البخاري (ت 256 هـ) في كتابه (التاريخ الصغير) قال: «حدثني محمود، حدثنا وهب، حدثنا أبي قال: سمعت قتادة: .. وولي عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية عشر يوماً ..»(36). (36) التاريخ الصغير 1: 118.

3 – وقال محدّثهم وثقتهم عمر بن شبة النميري (ت 262 هـ) في كتابه (تاريخ المدينة المنورة): «.. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال ..»(37). (37) تاريخ المدينة 3: 944.

4 – وقال مؤرِّخهم أبو حنيفة الدينوري (ت 282 هـ) في كتابه (الأخبار الطوال): «.. وتوفي عمر بن الخطاب .. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر ..»(38). (38) الأخبار الطوال: 139.

5 – وقال ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ) في صحيحه: «ثم قتل عمر وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال»(39). (39) صحيح ابن حبان 15: 37.

6 – وقال ابن عساكر في كتابه (تاريخ مدينة دمشق): «أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن، أخبرنا أبو الحسن السيرافي، أخبرنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن عمران، أخبرنا موسى، أخبرنا خليفة قال: وصلّى على عمر صهيب بن سنان بين القبر والمنبر .. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وخمسة أيام أو تسعة أيام»(40). (40) تاريخ مدينة دمشق 44: 450.

7 – وفيه أيضاً: «أخبرنا أبو الأعز قراتكين بن الأسعد، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا أبو الحسن بن لؤلؤ، أخبرنا محمد بن الحسين بن شهريار، أخبرنا أبو حفص الفلاس قال: واستخلف أبو بكر عمر فملك عمر عشر سنين وستة أشهر وثمان ليال ..»(41). (41) تاريخ مدينة دمشق 44: 478.

8 – وقال إمامهم الحافظ المعروف بابن الأثير (ت 620 هـ) في كتابه (أسد الغابة): «.. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال..»(42). (42) أسد الغابة 4: 77.

9 – وقال ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 656 هـ) في شرحه على (نهج البلاغة): «.. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر ..»(43). (43) شرح النهج لابن أبي الحديد 12: 184.

10 – وقال إمامهم الحافظ إسماعيل بن كثير (ت 774 هـ) في كتابه (البداية والنهاية): «.. قتل عمر .. وكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام.. وقال ابن جرير: حدّثت عن هشام بن محمد قال: قتل عمر .. فكانت حكومته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام»(44). (44) البداية والنهاية 7: 155.

11 – وقال علامتهم ابن خلدون المغربي (ت 808 هـ) في كتابه (تاريخ ابن خلدون): «.. وصلى عليه صهيب وذلك لعشر سنين وستة أشهر من حكومته»(45). (45) تاريخ ابن خلدون 2: 125.

12 – وقال علامتهم العظيم آبادي (ت 1329 هـ) في شرحه على (سنن أبي داود): «قال العلقمي، قال شيخنا: .. ومدة عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام»(46). (46) عون المعبود 12: 259.

13 – وقال علامتهم المناوي (ت 1331 هـ) في شرحه على (الجامع الصغير): «.. ومدة عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام ..»(47). (47) فيض القدير 3: 678.

14 – وقال أبو العلا المباركفوري (ت 1353 هـ) في شرحه على (جامع الترمذي): «قال شيخنا ـ يعني الحافظ السيوطي ـ : .. ومدة عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام»(48). (48) تحفة الأحوذي 6: 395.

أقول: هذه النقولات المتواترة، على اختلاف مضامينها ـ مدلولها المطابقي ـ متّفقة في الدلالة على مدلول التزامي واحد، وهو أن مدّة حكومة عمر لم تكن أقل من عشر سنين وستة أشهر.

وعليه، فإذا ضممنا المقدّمتين الأخيرتين إلى بعضهما البعض، تكون مدّة حكومة شيخيهما أبي بكر وعمر على ما صرّح به مؤرّخوهم، واستفاضت بل تواترت به الرواية عندهم، على أقل التقادير ثلاث عشرة سنة تامة.

نتيجة حتمية

وبما أن أبا بكر قد بويع في سقيفة بني ساعدة المشؤومة في اليوم الذي قُبض فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو في اليوم الذي يليه على ما هو معروف بين أهل السير والتاريخ.

وبما أن مجموع مدّة حكومة أبي بكر وعمر لم يكن أقل من ثلاث عشرة سنة كما عرفت فيما تقدَّم.

فإنه يتعيَّن أن يكون موت عمر ـ على أقل التقادير ـ بعد الثامن والعشرين من صفر ـ أقل تقادير شهادته (صلى الله عليه وآله) ـ أي بعد شهرين من التاريخ المزعوم لموته وهو الأخير من ذي الحجة، ليتحقق الفصل بين شهادته (صلى الله عليه وآله) وموت عمر بثلاث عشرة سنة تامة، الذي هو أقل التقادير لمدّة خلافة أبي بكر وعمر كما عرفت.

وعليه، فيستحيل أن يكون شهر ذي الحجة هو الشهر الذي مات فيه عمر، بل المتعيّن بحسب المقدمات التي ذكرناها لك والمتفق عليها عند خصومنا من العامة، ألا يكون موت عمر قد وقع في ذي الحجة أصلاً، بل بعده بشهرين على الأقل.

وبالتالي، يكون ما رووه في كتبهم وتواريخهم المعتبرة عندهم من تاريخ شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومدّة حكومة شيخيهما أبي بكر وعمر مكذِّباً بشكل واضح وصريح لما رووه من أن موت عمر كان في الأخير من ذي الحجة، بل مثبتاً لصحة ما ذهبت إليه الشيعة ـ أعزَّهم الله ـ قديماً وحديثاً من وقوع موته في التاسع من الربيع.

وذلك أن الإجماع المركَّب بين الخاصة والعامة قد قام على أن موت عمر بن الخطاب كان في أحد هذين التاريخين، فإنه يكفينا بطلان أحدهما لإثبات صدق الآخر.

وبما أنه قد ثبت كذب كون موت عمر قد وقع في ذي الحجة، باعتراف محدّثي العامة ومؤرّخيهم أنفسهم، تعيّن كونه في التاسع من الربيع كما تقول به الشيعة؛ إذ لا قول ثالث في المسألة أصلاً.

الدليل السادس: جمع الشهور والأيام بالدّقة العقلية

وفي هذا الدليل نستغني عن التمسك بالإجماع المركَّب في إثبات صحّة ما ذهبت إليه الشيعة الإمامية ـ أعزهم الله ـ؛ وذلك لأن المقدّمات التي تقدّمت، كما أنها تنفي جزماً وقوع القتل في ذي الحجة، فإن لازمها الحتمي والقهري هو كون القتل قد وقع في التاسع من الربيع كما تقول به الشيعة أعزهم الله.

وتوضيح ذلك: أن تلك النقولات المتواترة في تحديد مدّة حكومة عمر، على اختلافها في التعبير، لا تنافي بينها في المضمون أصلاً، ومآلها إلى قول واحد، وهو أن مدّة حياة عمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كانت ثلاث عشرة سنة وتسعة أيام.

وذلك أن (الأربعة أيام) و(الخمسة أيام) و(الخمس ليال) المذكورة في بعضها ترجع إلى قول واحد؛ فإن عمر ـ كما هو معلوم ـ قد طعن بين الطلوعين، وستعرف أن التواريخ المذكورة ناظرة إلى تحديد مدّة حكومته إلى حين طُعن.

وعليه، فمن جرى من المؤرخين على ما عليه الشرع من جعل مبدأ النهار طلوع الفجر عبّر بخمسة أيام؛ لأن طعنه بناء على ذلك يكون فجر اليوم الخامس. ومن جرى على ما عليه العرف من جعل مبدأ النهار طلوع الشمس عبّر بأربعة أيام أو خمس ليال؛ لعدم احتساب ما بين الطلوعين من اليوم الخامس، بل يكون محسوباً من ليل الخامس أو من اليوم الرابع إلحاقاً لليل باليوم الذي سبقها كما هو المتعارف.

ولمّا كان من المعلوم أيضاً أن عمر بقي بعد طعنه ثلاثة أيام، فمن المحتمل جداً أن يكون سبب التعبير بـ (ثمانية أيام) تارة وبـ (تسعة أيام) أخرى، هو أنه مات بين الطلوعين أيضاً، أي فجر اليوم التاسع؛ فالذين عبّروا بالثمانية احتسبوا ما بين الطلوعين من ليلة اليوم التاسع فألحقوها باليوم الثامن، والذين عبّروا بالتسعة اعتبروه من اليوم التاسع.

ويمكن أن يكون رجوع الثمانية إلى التسعة باعتبار أنه وإن مات في اليوم الثامن إلا أن وقوع الدفن كان في اليوم التاسع.

وعلى كلا التقديرين، فإن مرجع كلا القولين ـ أي الثمانية أيام والتسعة ـ سيكون إلى واحد.

كما أن الروايات التي حدَّدت الأيام بالخمسة ـ على اختلافها في التعبير كما عرفت ـ مرجِعها أيضاً إلى الروايات التي حدَّدت الأيام بالتسعة ـ على اختلافها في التعبير كذلك ـ باعتبار أن طعن عمر كان في اليوم الخامس، وقد مات بعد ثلاثة أيام كما عرفت؛ فالذين عبَّروا بالخمسة اعتبروا أن منتهى مدّة حكومته كان يوم طعنه، والذين عبَّروا بالتسعة اعتبروا أن حكومته استمرَّت إلى حين موته.

ولعلَّ الوجه في ذلك هو ما ورد في بعض مصادرهم المعتبرة من أن عمر بعد ما طعنه أبو لؤلؤة أعلن بأنه ليس بخليفة للمسلمين بعد يوم طعنه.

فقد أورد إمامهم الحافظ الشهير بابن أبي شيبة الكوفي في كتابه (المصنَّف) رواية مقتل عمر بن الخطاب، وفيها أن عمر قال لابنه عبد الله: «اذهب إلى عائشة.. فسلِّم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب ـ ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست لهم اليوم بأمير ـ أن يدفن مع صاحبيه»(49). (49) المصنف لابن أبي شيبة الكوفي 8: 576.

وروى هذه الرواية أيضاً جمعٌ من أئمتهم ومحدِّثيهم، منهم: ابن حبان في صحيحه(50)، ومحمد بن سعد في طبقاته(51)، وابن عساكر في تاريخه(52)، وغيرهم.

(50) صحيح ابن حبان 15: 352.

(51) الطبقات الكبرى 3: 338.

(52) تاريخ مدينة دمشق 44: 416.

والمؤرخون كانوا بصدد ذكر مدة حكومته، فمن حدَّدها بعشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام أو خمس ليال أو خمسة أيام أخذ بتلك الروايات التي تجعل يوم الطعن هو يوم انتهاء حكومة عمر لتصريح عمر نفسه بذلك كما مرَّ.

ومن حددها بعشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام أو تسعة اعتبر أن حكومة عمر استمرَّت إلى ساعة موته.

وبعبارة مختصرة: الذي أوجب هذا الاختلاف في التعبير في نقولاتهم تلك هو أنهم لاحظوا تارة النظرة الشرعيَّة وأخرى النظرة العرفيَّة في احتساب مبدأ النهار، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى لاحظوا تاريخ الطعن تارة وتاريخ الموت أخرى في احتساب منتهى مدّة حكومته.

وأما ما يوجد في عبارة بعض متأخريهم، مثل ابن أبي الحديد وابن خلدون من الاكتفاء بذكر عشر سنين وستة أشهر من دون ذكر الأيام، فإن له نظائر كثيرة في كتب التواريخ حيث تجدهم كثيراً ما يقتصرون على ذكر السنين والشهور ولا يعتنون بذكر الأيام، فلا يُعَدُّ هذا قولاً آخر غير القول الذي ذكرناه وبيَّنا أن جميع العبارات المتقدِّمة ترجع إليه.

وعليه، فمرجع هذه العبارات جميعاً إلى قول واحد، وهو: أن عمر ولي الحكم عشر سنين وستة أشهر وتسعة أيام، وطعن فجر اليوم الخامس ومات فجر التاسع.

وأما ما شذَّ عن تلك الروايات المتواترة ـ التي يجمعها عدم النقيصة عن الأربعة أيام وعدم الزيادة على التسعة ـ وهما الروايتان اللتان جعلتا الليالي أربعاً وثمانياً، والرواية التي جعلت الأيام ثمانية عشر، فالنفس مطمئنة بأنها إما من سهو قلم المؤلفين أو النسّاخ ـ بذكر الليالي بدلاً عن الأيام أو بزيادة كلمة (عشر) بعد (ثمانية) ـ أو من تحريف الوضّاعين.

وعلى فرض عدم السهو والتزوير، فإن هذه الروايات الشاذة لا تنهض لمعارضة تلك الروايات المتواترة.

وعلى فرض الإغماض عما ذكر والبناء على صحَّة هذه النقولات الشاذة، فإنها أيضاً تبطل وقوع القتل في ذي الحجة وتثبت وقوعه في ربيع الأول، إما قبل التاسع منه أو بعده بأيام قلائل.

وبهذا يتضح أن جميع رواياتهم ونقولاتهم، حتى الشاذ منها، يُكذِّب ما زعموه من وقوع القتل في ذي الحجة.

نتيجة حتمية: المقدمات تناقض استنتاجهم

وإذا عرفت أن مدّة حكومة عمر، أو فقل مدّة بقائه بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، كانت ثلاث عشرة سنة وتسعة أيام، فإنه بناءً على ما هو المشهور بين الشيعة وما هو التحقيق عند العامة من كون شهادته (صلى الله عليه وآله) آخر صفر أو أول ربيع الأول، لا ينطبق تاريخ موت عمر إلا على خصوص التاسع من الربيع الأول، وهو عين ما تقول به الشيعة أعزَّهم الله.

ولا يخفى على ذي مسكة أن الفارق اليسير بيوم أو يومين من حيث النقيصة والزيادة لا يضرّ بإثبات مطلوبنا.

ولم نجد أحداً ممن سبقنا تنبَّه إلى هذه المناقضة عند العامة، ونبَّه إلى أن التزامهم بتلك التواريخ فيما يرتبط بشهادة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ومدّة حكومة شيخيهما لازمه القهري عدم وقوع موت عمر في ذي الحجّة وكونه قد وقع في التاسع من ربيع الأول كما هو المشهور بين الشيعة ـ أعزَّهم الله ـ قديماً وحديثاً، فنشكره سبحانه وتعالى على ما ألهم.

الدليل السابع: قول المؤرِّخين الأوائل

قد صرَّح الحفاظ والمؤرِّخون الأوائل من العامة، كما عرفت، بأن مدة حكومة شيخيهما كانت ثلاث عشرة سنة وبضعة أيام، ولذلك عندما أرادوا أن يأرِّخوا لموت عمر، تغاضوا عن الأيام القلائل، إلا أنهم لم يطلقوا القول بأنه مات في آخر سنة ثلاث وعشرين هجرية؛ لأنه يتنافى مع ما ذكره من مدة حكومة شيخيهما على ما أوضحنا لك؛ وذلك لأنه يُنقص شهرين من مدة حكومتهما، بل كانوا دقيقين في التعبير، فعبروا بأن موته كان على ثلاث وعشرين سنة من مُهاجَر النبي (صلى الله عليه وآله)، وشتان ما بين التعبيرين.

قال إمامهم الحافظ ابن أبي شيبة (ت 235 هـ) في كتابه (المصنَّف): «وولي عمر بن الخطاب عشر سنين ونصف، وقتل سنة ثلاث وعشرين من مهاجر النبي (صلى الله عليه وآله)»(53). (53) المصنف لابن أبي شيبة 8: 51.

وقال إمامهم الحافظ ابن أبي عاصم الضحاك (ت 287 هـ) في كتابه (الآحاد والمثاني): «توفي ـ أي عمر ـ سنة ثلاث وعشرين من مهاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(54)، ومثلهما غيرهما من المؤرِّخين. (54) الآحاد والمثاني 1: 95 و115.

والملاحظ أن هؤلاء ـ الذين راعوا الدقة في التعبير من جهة، ونقلوا ورووا مدة حكومة أبي بكر وعمر بما لا يتناسب إلا مع موت الأخير في التاسع من ربيع من جهة أخرى، كابن أبي شيبة وابن خياط والبخاري وغيرهم ـ متقدّمون زماناً على الإمام الهادي (عليه السلام)؛ بحيث إنهم ماتوا قبله بمدة، أو أن موتهم كان قريباً من تاريخ شهادته (عليه السلام).

وقد عرفت في أوائل الكتاب أن هذا العيد الجليل، وهو عيد التاسع من الربيع، كان حكراً على الخواص من الشيعة كحذيفة بن اليمان وأضرابه، في زمن الأئمة المتقدّمين (عليهم السلام)، ثم انتشر بين الشيعة وذاع أمره بعد أن أمر الإمام الهادي (عليه السلام) شيعته باتخاذه عيداً، وأوضح لهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسائر الأئمة (عليهم السلام) كانوا يتخذونه عيداً ويظهرون الفرح والسرور في هذا اليوم.

وعليه، فإنه لم يكن ثمة شهرة شيعية في زمن هؤلاء المؤرّخين والمحدّثين على أن يوم التاسع من الربيع عيدٌ لكونه تاريخ قتل عمر، فمن المظنون جداً بل المطمأن به ـ بحسب معرفتنا بعداء هؤلاء وأضرابهم لأهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم ـ أن الذي حملهم على التزام جادة الصدق وعدم التدليس في التعبير ليس هو النزاهة وتوخّي الأمانة العلمية وتقوى الله ـ إذ كم لهم من كذب وتدليس في غير هذه المسألة ـ بل الذي حملهم على ذلك هو عدم توفر الداعي عندهم إلى الكذب والتدليس والتحريف كما توفّر عند من تأخر عنهم، حيث كان قد اشتهر هذا العيد بين الشيعة وعُرف ذلك عنهم.

مع التنزُّل

ولو تنزَّلنا عن ذلك، فلا أقل من أن مدة حكومة شيخيهما فيها طائفتان متعارضتان من الروايات عند العامة:

1- طائفة دالة على أنها كانت ثلاث عشرة سنة وتسعة أيام.

2- وطائفة دالة على أنها كانت غير ذلك.

ولا شكُّ أن الطائفة الأولى لما كانت:

1- موافقة لما هو مروي عندنا معاشر الشيعة الإمامية عن أئمتنا (عليهم السلام) من أن قتله كان في التاسع من الربيع، وقد تقدَّم ذكر هذه الروايات.

2- موافقة لما هو المشهور بين جمهور الشيعة قديماً وحديثاً من تاريخ قتل عمر.

3- مروية عمن لم تتوفَّر عندهم دواعي الكذب في المسألة، كالبخاري وشيخيه خليفة بن خياط وابن أبي شيبة والضحاك وأضرابهم؛ لتقدُّمهم على الشهرة الشيعية بخلاف الطائفة الثانية.

فإنه من الوضوح والبداهة بمكان أن الترجيح سيكون حليفها.

خاتمة البحث: أبرز النتائج والفوائد المستفادة

أولًا: بطلان توقيت ذي الحجة: ثبت قطعيّاً – باعتراف مصادر العامة أنفسهم – استحالة وقوع مقتل عمر في شهر ذي الحجة، وذلك لقيام التناقض الصريح بين هذا الزعم وبين ما أثبتوه هم أنفسهم من مدة حكومة الشيخين وتاريخ شهادة النبي (صلى الله عليه وآله).

ثانيًا: التطابق الحسابي والتاريخي: أسفر الاستقراء الدقيق لأقوال المؤرخين الأوائل ورواياتهم عن تحديد مدة بقاء عمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بثلاث عشرة سنة وتسعة أيام، وهو ما يتسق تماماً مع الحساب الزمني السليم وينفي أي فروض أخرى.

ثالثًا: حجية الإجماع المركب والدقة العقلية: استغنى البحث عن التلفيق التاريخي باعتماد “الإجماع المركب” وقواعد الجمع العقلي بين نصوص الطعن والوفاة، ليتحقق العلم بأن نفي أحد الاحتمالين يتعين به الآخر دون تردُّد.

رابعًا: موافقته للمشهور الإمامي: تضافرت الأدلة السبعة النقلية والعقلية والرجالية لتؤكد صحة ما تواترت به كلمات الإمامية واشتهر بينهم قديماً وحديثاً، من أن يوم مقتل عمر بن الخطاب قد وقع في خصوص اليوم التاسع من شهر ربيع الأول، متجاوزاً بذلك الشبهات والتحريفات التاريخية.

المصدر: فصل الخطاب في تاريخ قتل ابن الخطاب، للفقيه الشيخ أبو الحسين الخوئيني.